مشاهدة النسخة كاملة : التعليم الجامعي في سوريا.. آلام وآمال


sy
09-21-2003, 03:00 AM
د. منير شحود
أستاذ التشريح المساعد في كلية الطب في جامعة تشرين، اللاذقية

تشرين، 18 أيلول 2003

بينما احاول كتابة مقالة تتناول مسائل التعليم الجامعي في سورية، أجد نفسي مضطرا للتنفيس قليلا والوقوف عند بعض من محطات المعاناة السابقة، والمستمرة ولو بدرجة اقل، وذلك كسبيل للتطهر والاستعداد لمرحلة جديدة بدأت تباشير إرهاصاتها تلوح في الأفق، أو لنؤمن بذلك على أية حال ومع ان ماسأورده يبدو في بعض جوانبه معاناة شخصية فإنه يمكن تعميم هذه المعاناة لهذه الدرجة أو تلك.
وسأقدم ملاحظاتي حول التعليم الطبي باعتباره وثيق الصلة بعملي. كما اود ان يفتح ملف التعليم العالي من قبل المعنيين بهدف تشخيص العقبات الحقيقية التي تحول دون تطويره مع المحافظة على مكتسباته وذلك من اجل ردم الهوة التي تفصلنا عن الآخرين في الجانب المتقدم من العالم، ولاسيما فيما يتعلق بجامعاتنا التقليدية. ‏

الحياة الأكاديمية ‏

عندما عدت الى الوطن اواخر الثمانينيات احمل معي ذخيرتي العلمية كنت متحمسا لما يمكنني تقديمه لوطني كباحث علمي، ولاسيما ان ماحققته كان مصدر فخر لبلدي في الخارج وانعكس ذلك علي مزيدا من الثقة بالنفس والإيمان بقدراتي في تجاوز الشعور بالنقص وامكانية ان يكون الواحد منا ندا لزملائه في العمل في اكثر البلدان تقدما عندما تتوافر له الظروف المناسبة. وقد عقدت العزم مدفوعاً بما انجزته، على استمرار البحث العلمي والنهوض بمستوى التعليم الطبي في مجال تخصصي. ‏

كانت المناهج التعليمية المعتمدة في تدريس بعض المقررات لاتتجاوز في تطورها بدايات القرن العشرين. وكان علي الالتزام بالكتاب الجامعي والخطة الدرسية التي تم وضعها من قبل رئيس القسم، وهو دكتور في الطب البيطري تم تعيينه في كلية الطب البشري بدفشة محددة في سياق تقاسم الحصص وتوزيع المناصب، فصار المذكور رئيساً لقسم التشريح ومديرا للمعهد المتوسط الطبي مع ان كلية الطب تعج بالدكاترة. ولن تجد مثل هذه الحالة في أي من جامعات الأرض كلها، أي دكتور في الطب البيطري باختصاص الوراثة يدرس مادة تشريح الإنسان والمسألة ليست محصورة بخطأ إداري، بل تتعدى ذلك لانها تخلق ظروفا غير سوية في بيئة العمل والعلاقات المنبثقة عنها ما ينعكس على العملية التعليمية كلها، وقد كان ذلك من الأسباب الى دفعت البعض للهجرة أو الاستقالة من العمل في القسم. ما علينا، وتذرعنا بالصبر فما في اليد حيلة! ‏

وجاء يوم صرت فيه رئيساً للقسم بعد ان اكتشفت وزيرة التعليم العالي، وهذا يحسب كإنجاز لها مهما قيل عن الفترة التي استوزرت فيها على التعليم العالي، أن المعني مكلف بوظيفتين اداريتين خلافا للقانون فتركوا له الوظيفة الأدسم وهي بالطبع إدارة المعهد الطبي. وبدأت فوراً بخطوات تطوير المنهاج، وأحدث ذلك نقلة نوعية واستحسانا كبيرا بين الدارسين على ذمة الاستبيان الذي قام به اتحاد الطلبة ولم يقف السيد الدكتور موقف المتفرج بل حاول ان يحشد ضدي كل من استطاع بما فيهم فرع الحزب، ونجح في ذلك بدرجة كبيرة مستغلاً نفوذه وصداقاته ومتذرعا بحجج لاعلاقة لها بالموضوع من مثل عدم ابدائي الاحترام والطاعة لـ «أقدم أستاذ في الكلية» حسب تعبير عميد الكلية ومارس الدكتور كل أساليب الشبيحة التقليدية والمستحدثة ما جعلني اقدم استقالتي بعد اقل من عامين لأنني لم اجد في إدارة الكلية أو الجامعة من يمد لي يد المساعدة رغم الكتب التي وجهتها بهذا الخصوص، مع اعترافهم الضمني بأهمية ما أقوم به ولم اكن الضحية الوحيدة في القسم. ‏

ولايختلف الأمر على المستوى الأعلى فقد اجهضت واهملت القرارات المتعلقة بترجمة مراجع جامعية معروفة لتكون رديفا للكتاب الجامعي الطبي المتخلف. وعملت سنوات في هذا الاتجاه لتضيع جهودي سدى في دوامة الإهمال البيروقراطي. ‏

ومن العبث القول بوجود بحث علمي حقيقي في جامعاتنا،وهو إن وجد، يمثل استثناء للقاعدة التي يتم بموجبها تدبر الأبحاث بغية تسلق درجات السلم الأكاديمي ليس إلا. وقد انتج ذلك عشرات الأساتذة شبه الأميين (دون ان ننسى الاساتذة الجديرين الذين هم مصدر فخر واعتزاز عظيمين) مما عقد الوضع الأكاديمي اكثر فأكثر باعتبار ان أمثال هؤلاء هم الذين سيقومون بتقويم ابحاث الآخرين. ويعاني بعض أعضاء الهيئة التدريسية الذين يحاولون القيام بأبحاث جدية من عقبات كثيرة منها ندرة مادة البحث كما في بعض الاختصاصات الطبية الأساسية، وذلك علاوة على العقبات البيروقراطية في ظروف تغليب الشكليات على ماعداها. كما لا يتم إيفاد أعضاء الهيئة التدريسية للبحث العلمي الحقيقي إلا نادرا، وإذا حدث ذلك فيكون هدفه الحصول على المقابل المادي فقط ولاعتبارات خاصة أو بصورة انتقائية (على سبيل المثال، لم يحصل كاتب هذه السطور على أية منحة من هذا القبيل خلال ثلاث عشرة سنة من عضوية هيئة التدريس). ‏

ولايمكن اعتبار جامعاتنا أكثر من مدارس ثانوية كبيرة يجري فيها التلقين على نطاق واسع وليس ثمة حياة أكاديمية حقيقية توحد مكونات الجامعة الأساسية أي الاساتذة والطلبة ووسائل التدريس ومناهجه في بيئة البحث العلمي الخلاق. ويقوم جميع اعضاء الهيئة التدريسية وممن هم اقل مرتبة وحتى المعيدين بالتدريس وإلقاء المحاضرات في معظم الحالات، بغض النظر عن الكفاءة والمقدرة. ‏

ويجري تقسيم المواد على الاساتذة تبعا للعدد لا الكفاءة في غالب الأحيان، كما لايوجد اي تقدير لعمل الاستاذ الجامعي ماديا ومعنويا تبعا لقانون التفرغ الجامعي. وهكذا يتساوى الجميع عملوا أم لم يعملوا من النواحي المادية، ويبقى العزاء الوحيد في تقدير الدارسين لجهد مدرسيهم المميزين. ‏

واذا كنا نفاخر في سورية بما حققناه من تدريس المناهج الطبية باللغة العربية فإننا وقعنا في مشكلة يصعب فيها على الدارسين عندنا التواصل مع العلوم الطبية باللغات الحية ولاسيما الانكليزية منها. وقد تقرر في العام الماضي تدريس بعض المواد باللغة الانكليزية، ثم تم التراجع عن هذه الخطوة الهامة التي حظيت باهتمام الطلبة واستحسانهم وذلك تحت حجج مختلفة تخفي وراءها ماتخفيه من مصالح ضيقة وضعف فاضح عند البعض في معرفة اهم اللغات العلمية في الوقت الحاضر وهي الانكليزية. ‏

المنافي ‏

رحلة المنافي للاستاذ الجامعي السوري لاتقتصر على دول الخليج حيث يعتبر من يجد فرصة هناك من المحظوظين، إنما تتوزع في أي بلد عربي من اليمن الى السودان وليبيا وهيهات لو كانت الفرصة في الأردن القريب. ومهما يكن الراتب لايهم فأقله يبلغ عدة اضعاف مثيله في سورية. وكم مرت لحظات حرجة حاولت فيها ان أضيف على راتبي الشهري بعض الزيادات الوهمية عندما كنت أسال عن ذلك في الخارج حفاظا على ماتبقى من ماء الوجه وكرامة الوطن. وفي بلاد النوبة في السودان تذرعت، لشدة حرجي، انني قدمت الى هناك لدراسة الحركات الصوفية في هذا البلد الذي أكن لشعبه الطيب والمسالم الكثير من الاحترام. أفيعقل ان يكون مرتب الاستاذ الجامعي في سورية أعلى بقليل من مستوى خط الفقر الذي وضعته الأمم المتحدة وهو 1 دولار يوميا لكل شخص (احسبوها أيها السادة اذا كان الراتب يعادل 200 دولار عند التعيين مع العلم ان متوسط عدد افراد الأسرة السورية هو 5 اشخاص) ألهذه الدرجة أفقر الوطن؟ ولكن ثمة في الواقع امتيازات للبعض واساليب لتدبير الحال وأفانين الفساد الذي يحتال بها المواطن السوري على العيش، مع ان الكثير من الاساتذة يعملون بنزاهة واخلاص تصل الى حد التفاني في أداء الواجب. ‏

الأستاذ الجامعي يساوي... ‏

المشكلة الأخطر تتمثّل بوجود قوى يمكن أن تضغط على الأستاذ الجامعي وبمختلف الأشكال ليخون ضميره وشرف مهنته فيحاولون أن يفرضوا عليه نجاح طالب مدعوم إن شاء حظه التعيس ان يكون احد هؤلاء من طلابه، مع الاشارة الى تراجع الحالات الخطيرة من هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة، تعرضت مرة لابتزاز من جماعة مسلحة تضرب بسيف احد المتنفذين الخارجين على القانون وصاروا يفاوضونني بينما تلامس فوهة البندقية جسدي، وذلك أمام مجموعة من الدكاترة المنهمكين في متابعة كأس العالم في كرة القدم 1992 في نادي المعلمين حيث تآويت لعدة سنين. ولم يأبهوا لصراخ ولدي الذي يتابع المشهد مذعوراً، وقد خلف ذلك عنده صدمة لاتمحى بينما انعقد لساني لدقائق. ‏

وفي حادثة اخرى جرت في النصف الثاني من التسعينيات، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لوحقت لأكثر من اسبوع من قبل احد المدعومين ورابطت سيارة «الرانج روفر» على باب البناية التي اقطنها بينما ذهبت «المرسيدس» لتلاحقني في مسقط رأسي البعيد. ‏

وبما انني يئست من امكانية الفرار فقد تذكرت كأي مواطن من بلاد «الواق واق أن الشرطة في خدمة الشعب! لماذا لا اشتكي للشرطة إذاً بعد ان رفض رؤسائي في العمل حتى الكلام في هذا الموضوع تعبيراً عن خوفهم وجبنهم؟ اتصلت بشرطة النجدة وشرحت الأمر فما كان منهم إلا أن احالوني لقائد الشرطة في محافظة اللاذقية. وما ان سمع المذكور القصة حتى احالني الى مسؤول آخر وقد توصلت بعد تفكير وجيز الى قرار ضمني لم يشاركني فيه احد بتسليم امري لله وحده عز وجل على المستوى البعيد، ولصاحب العلاقة على المستوى الآني. ‏

صعدت الى سيارة «الرانج روفر» وقد اعجبت بأدائها عند المنعطفات وفي الشوارع الضيقة خاصة بينما تصدح بنداء الاسعاف وكأنها تقل حامل توشك على الولادة! (بالمناسبة كنت احلم كأمثالي وقتها، وماأزال، بسيارة «بيك آب» من طراز «سكودا» الشهيرة والتي يركبها استاذ الجامعة مزهوا والى جانبه زوجته المحظوظة بالمقارنة مع جاراتها الحسودات بينما يلعب الأطفال أو ينامون كالحملان في صندوقها المغلق بعيدا عن اعين المارة). ‏

وعندما وصلت بيت مضيفي الذي يزخر بالتحف المتناثرة هنا وهناك مما يذكر بحداثة النعمة، لجأت لتمثيل دور الأبله لعدة ساعات بهدف التخلص مما حاولوا فرضه علي، محاولا الاستفادة من قدراتي الذهنية الى اقصى حد ممكن. وإذا كنت قد تفاديت الرضوخ دون ان أريق ماء وجهي او اخون مهنتي فهو لعمري تهور كان يمكن ان ادفع ثمنه غالياً، ولكني الآن استشعر حلاوة العيش وقد اقتنعت بان المهم هو ان يبقى المرء حيا تبعا لغريزة البقاء ولو على حافة الهاوية! ومع مثل هذه الظروف كيف يشعر المرء بالأمان والطمأنينة والكوابيس ترافقه ليل نهار؟ ‏

امتيازات ‏

ينتسب العديد من ابناء وبنات اعضاء هيئة التدريس الى كليات الجامعة ولاسيما الطب والهندسة كامتياز وظيفي لآبائهم. والغريب انه في الوقت الذي تأتي كليات الطب مثلا في معظم جامعات العالم بممتحنين خارجيين من كليات الطب في جامعات اخرى داخل البلد أو خارجه، فإن الاساتذة في الكليات المذكورة يقومون بامتحان ابنائهم عمليا ونظريا في بعض الحالات، ويضع البعض منهم العلامات التامة لفلذات اكبادهم! وفي الواقع بدأنا نلمس ظاهرة يشكل فيها الآباء نوعامن «لوبي» يضغط في الكليات في اتجاه مصالح الأبناء. وبهذه المناسبة، ألم يحن الوقت لإلغاء لامتيازات كلها بما فيها مايتمتع بها الشبيبيون أيضاً؟. ‏

وقيل الكثير عن التعيين في المناصب الأكاديمية. ومازال الأمر يتم بطريقة سياسية اكثر منها علمية، إذ تنفرد جهة واحدة بهذا الحق، مع غياب معايير التقويم الموضوعية عن طريق الانتخاب وبمشاركة كل الجهات المعنية بما فيها الطلبة. وقد ادى ذلك ولايزال الى تفشي النفاق والتزلف للحصول على المكاسب الوظيفية بعيدا عن ماتقتضيه المصلحة العامة، ووصول الكثيرين الى مراكز ادارية وعلمية دون ان يكونوا جديرين بهذا الشرف. وليس للقرار الأخير رقم 408 حول فصل الحزب عن الإدارة أي أثر يذكر باعتبار ان الجهة المعنية، أي الحزب، تبقى مسؤولة عن «التنظيم والاشراف والتوجيه والمراقبة والمحاسبة!» وبغياب المعايير الأخرى المذكورة اعلاه. ‏

sy
09-21-2003, 03:01 AM
إن تحرير الجامعات، بمعنى تأمين حرمتها واستبعاد كل من لاعلاقة له بالعمل الأكاديمي منها، هو السبيل الأنجع، في رأيي، لاستعادة دورها في قيادة المجتمع وخدمته باعتبارها المنارات التي يفخر بها الوطن، ولاسيما الاساتذة الذين يجب ان تحفظ كرامتهم ماديا ومعنوياً، ويأمنون على انفسهم فلا يخافون من التعبير عن آرائهم بصورة حرة ومسؤولة، ولا تدعي اية جهة حق الوصاية عليهم. فالاستاذ الجامعي لايحتاج لاوصياء، وهو الوصي الحقيقي على وطنه مهما استبعد أو أبعد، ومن ليس مؤهلاً للقيام بمثل هذا الدور لايستحق هذا الشرف العظيم كل الأمور والمصاعب قابلة للاصلاح رغم تأخرنا في معالجتها، فتعالوا نرفع شعارنا اليوم: يا عقلاء سورية اتحدوا!.

Bint Jableh
09-22-2003, 01:07 AM
شكرا لك على النقل المهم

سؤال يطرح نفسه وله علاقة بموضوع سابق طرحته انت عن التغيير في

المدارس وهذا السؤال هو

اليس الافضل غض النظر عن التغيير الذي حصل في اللباس المدرسي

والبدء في التغيير الداخلي وتطبيق المقولة التي قلتها

يا عقلاء سوريا اتحدوا



تقبل تحياتي

sy
09-22-2003, 01:38 AM
معك بكل تأكيد

ويبدو أنه قد آن الآوان

وانشالله التطبيق يكون بدأ