fatma
09-27-2003, 10:48 PM
مونولوج / محمد الماغوط / نحن أمام كربلاء الكترونية
هذا اللقاء النادر مع ( محمد الماغوط ) الذي أثار منذ عام 1991،
ومايزال ، زوابع في الأوساط الثقافية العربية
نعرضه كما هو ، ويبقى ماجاء فيه ماغوطياً بحتاً بعبّر به عن رأيه
وبأسلوبه ( الساخر ) المعهود .
أجرى الحوار : يحيى جابر _ يوسف بزّي
مجلة الناقد / العدد السادس والثلاثون / حزيران ( يونيو ) 1991
المكان : دمشق
الزمان : آذار 1991
المشهد : محمد الماغوط في منزله .
نجلس إلى محمد الماغوط ( مواليد السلمية " سوريا " 1934 ) ، كأنك
تجلس إلى جوار جبل ، لكنك لاتطمئن إلى براكينه المخبأة في جيوبه ،
حيث يشتم ويصخب المكان من حوله ويتحوّل إلى لسان من نار .
نحتسي القهوة معه في مقهى " برازيليا " ونشم كوابيسه التصاعدة مع
رائحة البنّ الأسود ، ثم يأخذنا إلى منزله لنتفرّج على أحلامه وهو يطفو
في بحيرة من الويسكي . وثمة جرح ملتهب في الكف اليمنى " حطّمت
الكأس بين أصابعي في حرب الخليج " .
عندما رافقناه في الشوارع تحوّلنا إلى " زعران " . كان الماغوط شرساً
، متوتّراً ، ويصرخ ( احموني ياشباب ... ياكلاب ... أنا الماغوط " ملكيّ
m حزني " ) .
تقطّع اللقاء إلى أكثر من عشرين ساعة ، ويغادر الحوار أحياناً منادياً
سلافة لتقبّـله أو ليحضن شـام . ( ابنتاي جناحاي في العاصفة .. )
منفرد ، كعود ثقاب متجوّل ليشعل الحرائق خلفه وبعده وينحاز إلى
الحياة . ( اكتبوا كل ما أقول . )
نفتح معه ألبوم صور ويضحك على نفسه والآخرين ويسخر منا ، لكننا
ننهب معاً صندوق ذكرياته ، ونتوسطه ليقرأ لنا في كف الأمة العربية .
محمد الماغوط ، شـــاعر حواس خمس ، رجل من منامات والورد يليق به
.
ليس حواراً ، أو محادثة ، لكن بشيء من الألفة ، كان بوحاً وكلام سهر
وتسجيلاً سريعاً لكلمات تروح وتجيء ، من الخمسينات إلى الهزيمة
الأخيرة . يروح ويجيء إلى المطبخ . إلى الطاولة . وبين الجملتين التفاتة
إلى الإبنتين ( شـــام و ســـلافة ) ، أو إلى لوحة لرفيق شـــرف أو نذير
نبعة .
محمد الماغوط يأخذنا في الشارع ، بقبعة رمادية تحت مطر خفيف كما
يليق " بديكتاتور " الشعر ، ودمشق مشهد يتصاعد إلى قاسيون ويلتمع
بالنيون . يســأل عن بيروت ، عن شعراء ، عن نســاء . نتابع إلى حي
المزرعة .
ســهرة مع ويسكي مهربة من شــتورا ' الكلام يكرّ ، فكرة فكرة ،
ويستطرد : ( انتوا محتالين ، أنا مابعمل مقابلة مع حدا ، بس انتوا جيتوا
بالوقت اللي بدي فش خلقي فيه ) .
يهمدر بصوته ، يرتج وجهه ، يقوله بسرعة قبل أن يدخل شرطي النسيان
وحرارة الحكي تتدفق ، كأن الماغوط _ كعادته _ على موعد مع
المطاردة ، لا يلتفت إلى أسئلتنا ينظر بحدّة ثم يتابع سباحته " كسمكة
سانتياغو الضخمة " ونحن كصيادين مبتدئين نلهث وراءه بأسئلة ، أو
بصنّارة دون جدوى لم نكن أمينين جداً في التسجيل ، أخذنا " اللمعات "
من الحديث ، صفوته ، لحظات الغضب والتأمل ، لحظات التذكر ولحظات
الشعر . حذفنا أسئلتنا من الحوار لنبقي على الصيغة الأصلية لأسلوب
الحديث وليبقى منولوجاً لا يجيده أحد إلاّ الماغوط .
يتبع
fatma
09-27-2003, 10:51 PM
كنت دائماً في غرفة ضيقة . كان لدي بابور كاز وفرشة وليس معي مال لدفع الايجار ، فكنت أترك الأغراض كبدل . مرة حين قررت الهرب إلى بيروت ، تسللت من الغرفة ، فقبضت عليّ صاحبة الغرفة وأعطتني الأغراض قائلة : الله معك .
* كل يوم ، تقريباً ، الثالثة فجراً أذهب مشياً إلى مدخل دمشق ، إلى منطقة الربوة ، من المزرعة مكان ( إقامتي ) إلى جسر الهامة . أمشي ساعتين أو ثلاثاً في النهار . هذا المشوار صداقة مع نهر بردى .
* طفولتي في ضيعة السلمية ، بقدر ماكانت بائسة ، نمّـت فيّ إحساس التمرّد . طبيعتها أمراء وفلاّحين . مقابر خاصّة للأمراء ومدارس لأولادهم فقط . ابن الفلاّح لايدرس . من هذا الخلل أتت عزّة النفس والتمرد . أذكر مرة أن أتى أمير فارس ليرمي ، أثناء دفن ، حنطة للفقراء _ كالعادة _ فضربته بحجر .
* في طفولتي ، أكثر ماأحببت ، ذاك الدكان الذي كان يبيع دخان لف وقضامة .
* أحب الله . لستُ متديّـناً أو خائفاً . لدي جذور دينية تربوية . كنت أضع القرآن في كيس قماش حرصاً عليه . ربما من هنا إلفتي للكتاب ، وإلفتي للشجر والطبيعة . كنت أحس برائحة صفحات القرآن العتيقة أثناء نزهاتي .
* أمي أعطتني الحس الساخر ، الصدق والسذاجة ، رؤية العالم بشاعرية . الأمور الأخرى تعلمتها من أبي . مرة كنا مسافرين إلى طرطوس ، طلبوا من أبي أمام الحاجز بطاقة الهوية فقدم فاتورة الكهرباء . منه أتى حس المفارقة والسذاجة أيضاً .
* التقيت مرة بكميل شمعون ، وكان قد لفت نظره زاوية كنت أكتبها في مجلة ( البناء ) سنة 1958 واستفسر عن اسمي الحقيقي من جوزيف نصر ( كنت أكتب باسم مستعار ) وطلب مقابلتي . كنت نعساناً جداً . دهش وسألني عن تعبي . قلت : ( أنا نعسان لكن أنتم نائمون ) فقال : ( اعفوني من لسانه ) .
* نعم ثمة حسد ثقافي مني ، على الدوام . أحسه ولكني غير مكترث . المرحلة التي مضت هي المسؤولة عن تكويني ، كانت مرحلة خصبة ، وهم أتوا في فترة ضحلة . المثقفون بعيدون عني .
* من طبيعتي أن ليس لي أصدقاء . لا أجلس وسط المثقفين . أحب عزلتي وأحاول الحفاظ عليها . أحب الجماهير وهي بعيدة عني .
* السجن المبكر جاء أول صحوة الشباب ، فبدل رؤية السماء رأيت الحذاء ، حذاء عبد الحميد السراج ، وهذا ماأثر على بقية حياتي .
* كتبت ( العصفور الأحدب ) لأنني كنت مختبئاً في غرفة ( نصفية ) ، أي عندما تقف يضرب رأسك في السقف ، كنت فيها كالأحدب ، وفي هذه الغرفة كتبت أيضاً ( غرفة بملايين الجدران ) .
* غادرت قريتي وعمري 14 عاماً . كنت سأدرس الهندسة الزراعية . في مدرسة خرابو في الغوطة ، كنت متفوّقاً وفجأة أحسست أن ليس اختصاصي الحشرات الزراعية بل الحشرات البشرية .
* دخلت أصلاً إلى المدرسة لأنها تقدم الطعام والشراب مجاناً . هربت منها ومشيت 15 كيلومتراً ومنذ ذلك الحين بدأت أكتب بين القصة والشعر . كنت أقرأ ( الآداب ) و( الأديب ) . محمد حيدر كان جاراً لي وكان يناديني للقراءة . كنت أقرأ في هاتين المجلتين لعبد الملك نوري وجبرا ابراهيم جبرا . ولم أكن أعرف لغات أجنبية .
رامبو مثلاً كان يقرأه لي مترجماً . أذكر أن سليمان عواد كان ينشر وقتذاك وعرّفني على الأدب الحديث . كانت لي كتابات في سن ( 14 _ 16 ) عن " الزعيم " والحزب ( أنطون سعادة والحزب القومي ) .
* سنة 1955 كنت في سجن المزة ، أكتب على ورق دخان تركي ، افتكرت هذه الكتابات عبارة عن مذكّرات . لم أعرف أنها شعر . هرّبتها إلى الخارج عبر المحامي محمد آقبيق ، وهو الذي قال لي أنها شيء مهم ، وأنها شعر . كتبتها على ورق المحارم أيضاً ورق دخان ( بافرا ) . قسم منها هرّبته فقط ، قبل أن أمزّق البقية بعد إخلاء سبيلي منها ، على ماأذكر ، قصيدة ( القتل ) .
* عندما عيّـنوني رئيس تحرير مجلة ( الشرطة ) بقيت يومين أقف للحاجب خوفاً .
fatma
09-27-2003, 10:52 PM
سنيّة
# لم أكن عائلياً ، محباً لحياة الأسرة . الآن فقط ، بعد رحيل سنية ، أصبحت محباً للمنزل والعائلة .
# كل ماكتبته من ( العصفور الأحدب ) إلى قسم من ( غرفة بملايين الجدران ) و ( الفرح ليس مهنتي ) ، كانت سنية هي المرأة فيها . لم أكتبها بالغزل ، كانت كعروق الذهب في الأرض . سنية موجودة في كل حرف أكتبه .
# عندما صممت قبر سنية وكتبت : ( هنا ترقد الشاعرة سنية صالح آخر طفلة في التاريخ ) ، قلت لابنتي شام : ( أليس القبرُ جميلاً ؟ )
فقالت : ( ما من قبر جميل في العالم )
# لم أشبع من سنية في حياتها ، ولا أشبع منها في الأحلام . وقليلاً ما أراها في مناماتي ، ربما الأشخاص الذين نحبهم لا نراهم في الأحلام .
ثمة شرطة للأحلام .
سنية شاعرة لم يأتِ على ذكرها النقاد المؤمنون ، وكذلك الملحدون . هي من الجمرات الأولى في الشعر العربي الحديث .
# الخطأ الكبير هو زواجنا من بعض ، لأن اسمي غطى عليها
فقالوا عنها : زوجة محمد الماغوط .
يتبع
fatma
09-27-2003, 10:53 PM
أناا
# حقّي مغبون
# ليس الوقت مناسباً للـ ( مهرّج ) .
# أحس نفسي مُطارداً . إنه إحساس قديم . مزّقتُ من الخوف قصــائد
كثير ة .
# لايمكن ترويضـي إلاّ بالموت .
# لديّ أعصـاب عظيمة تمنعني أن أنحني .
# أنا لستُ عنترة ، لكني صادق ، لاأعرف الكذب .
# ليس لدي القدرة على تدخين الغليون والاستماع إلى الموسيقى
الكلاسيكية في غرفة مرتبة ومكتب أنيق ، كما يفعل أدونيس أثناء
الكتابة . كل ماكتبته كان في مقهى ( أبو شفيق ) الشعبي ، وسط
الضجيج والناس .
# أنا أجلد الجماهير لأحركها .
# أكره روح القطيع .
# لاأتحاشى الأذى . في وقت الصمت أحب أن أتكلم . هذه غريزة .
# لم تخذلني الجماهير ، مع أني كنت قاسياً .. لكنها قساوة أب مع
أطفاله . نحو غوغول كان كان يعبد روسيا ومع ذلك قال مرة : ( هذه
الأمة الروسية السافلة ) .
أنا كرم على درب فليسرقوني . أنا نهر سائر في أرض عطشى فلتشرب
. أعرف مثلاً أن ثمة قصصاً مأخوذة من مقاطع شعرية لي .
# أنا ضباب يتوه الناس بي .
# أنا ( فرويد ) الشيعة .
# عالمي ويسكي ودخان وحزن . حزني ملكيّ وأنا الملك .
# لا أمشي على رصيفين .
# سأطوف يوماً ما ، مثل بردى .
# الرضى كلمة لاأحبها .
# أحاول الدفاع عن أشيائي الخاصة ، كالصدق ، الكرامة ، الشهامة ،
هذه أشرعتي . ولن أتعب .
# ثمة ( لا ) أبدية رافقتني وسترافقني دائماً .
# لاأزال سمكة خارج الشبكة .
# الصحافة لاتعني لي شيئاً ، سوى تلك الدهشة البسيطة .
# لستُ ( رامبو ) العرب .
# ما الفائدة إذا كنت مخلصاً والآخر فوقك يخونك .
# الارهاب لم يترك لي فرصة لأحب أحداً حتى الله .
# في كل عصر هناك حجّـاج للأحلام .
fatma
09-27-2003, 10:54 PM
أصدقاء
# الحرب قد لاتُـبكيني . أغنية صغيرة قد تُـبكيني ، أو كلمة لأنسي الحاج . هو توأمي . ولو لديّ شفاه بطول ألف كيلو متر لقبّـلتهُ عن مقالته " كم أنت أبله أيها العظيم " ، ( " الناقد " العدد : 34 نيسان 1991 ) الذي أحسست أني لو أردت أن أكتب لكتبت مثله .
# كنت وأنسي الحاج أكثرهم صمتاً ، أيام مجلة " شعر " ، أمام التنظيرات والثرثرة .
# كان بدر شاكر السياب صديقي الحميم . مرة لقيت رسالة منه بأربعين صفحة . خفت منها . تركها لي قبل سفره إلى لندن ، كتب فيها حياته كلها . كان فيها مديح لعبد الكريم قاسم . خفت فمزقتها .
# أحبّ ( نزيه أبو عفش ) في الشعر السوري .
# أحترم أنسي الحاج لأنه بقي في بيروت تحت القصف ، وأحبه شاعراً شاعراً وناثراً وصامتاً .
# أدونيس هو الذي قدمني في بيروت ، وأعتز بذلك ، لكننا لم نتفق شعرياً . التقيت به لأول مرة عام 1955 من زنزانة إلى زنزانة . كان معروفاً وأنا لا .
# آخر مرة التقيت بأدونيس في باريس حدّثني عن حنينه لدمشق وبكى ، قلت له : " لايمكن أن تكتب عن الوطن وأنت بعيد عنه أن تتخيل الحرب ولا تعيش في وحل الخندق " .
# لو بقي أدونيس في بلاده لكان شاعراً مهماً ، لأنه أصيل .
# أدونيس لبس ثوباً غربياً . إنه مشلول ، أسير الغرب ، رغم إنه يبلعط أحياناً .
# نزار قباني ، شاعر كبير ، بقضايا صغيرة .
# مأساة نزار قباني أنه لايحب ولا يكره ، لذلك تبث الاذاعات معظم أشعاره .
# كنت ألتهم مطبخ يوسف الخال ، وأجلس قرب البراد المفتوح . وأتركهم في الصالون يتحدثون عن الشعر وقضاياه .
# كان يوسف الخال يحاول أن يجد لنا عملاً في الصحف ويرسلنا أنا وفؤاد رفقة ، حيث نبدأ عملنا بالتعرف إلى السكرتيرة ، ونعرض عليها الزواج فيتصل أصحاب العمل بيوسف ليقولوا : " هؤلاء شغيلة أو خطيبة " .
# محمود درويش موهوب جداً ، لكنني لاأحبه لأنه غير صادق .
# دريد لحام امتهنني ، استغلني كشاعر ، كجواز سفر ليعبر .
# سليم بركات كردي أكثر مما هو عربي ، ثمة حقد عنصري في أعماله .
# أحب عصام محفوظ كمسرحي وكمقامر ، وفي باريس قال لي : " جيمي كارتر وأنسي الحاج يتآمران عليّ " .
# جبرا ابراهيم جبرا ليس شاعراً بل مترجماً عظيماً .
# كمال خير بك بطل وصديق حقيقي فقتلته الشعارات .
# أنطون سعادة شاعر أخطأ الطريق .
# أعطيت جائزة نوبل لنجيب محفوظ لأنه اعترف بإسرائيل . أنا أرفضها .
fatma
09-27-2003, 10:57 PM
الوضع الآن في انحطاط ثقافي عام . الدول تخاف الآن فكيف الأفراد . كان العالم مطرقة ومنجلاً . ذهب المنجل السوفياتي فبقيت المطرقة الأمريكية . الدول تتحاشى هذه المطرقة . أنا لا أخافها . أنا المنجل العربي .
# المشكلة ، مع المثقفين الجدد ، إن مرحلة الإرهاب النبيل في الخمسينات كان لها تأثير إيجابي على العطاء . التجربة دفعنا ثمنها . الآن النواح السائد هو تكرار دون عمق . يكتبون عن السجن دون أن يُسجنوا ، وعن الإرهاب دون أن يرهبوا . كلمات مثل "الشرطة" ، "الأمن" تفور الآن وتملأ الصفحات دون أن تحسها . هذه هي المشكلة .
# الرقيب كان داخلي ، صادقته ، مثل الألم . لتستمر عليك أن تصادقه . أجمل رفقة هي بين السجين والسجان . الرقيب هو أيضاً سجين .
# الكاتب الأصيل ، هو الذي يخرج بالقارىء ، وبنفسه ، من جزئيات الحياة اليومية ، العادية ، ودهاليزها ، إلى أفق القضايا الكبرى كالحية والعدالة والإحتلال والظلم والقهر . والكاتب العادي هو الذي يبدأ بالقضايا الكبرى كالحرية ، والقهر الإجتماعي ، ويعود به إلى دهاليز الحياة اليومية التافهة ، كأزمة السير ، وأزمة السكن وسواها .
# كل إضاءة إعلامية هي لإخفاء الحقائق .
# متذوق شعر جيد أفضل من شاعر رديء .
# متى بدأ الكاتب يخاف سمعته ومكتسباته بدأت نهايته .
# كل كاتب له رسن . النظام الذكي يطوّل هذا الرسن ، وهذا ما يوهم بالحرية ، لكن إذا ذهب بعيداً خنقه الرسن . أما النظام الغبي فيضيق الرسن .
# أحب المسرح في الشعر . لا مسرح في التراث العربي لأن الحوار ممنوع .
# ليس ثمة شرقي إلا وفيه شيء من الخيانة .
الإنسان الجدّي مريض وفيه خلل .
# الإيديولوجيا حين تضحك في قالبها ، يعني أنك صرت حذاءاً .
# بيتي الشعري بلا سقف .
# لم أكتب الشعر لأنني كنت "قومياً سورياً" ، بل السجن هو الذي علمني كتابة الشعر .
# لم أندم على قصائدي الأولى ، ولم أحذف أي حرف منها حتى الأخطاء اللغوية .
# الغيرة الأدبية مشروعة في البدايات .
# ليس عندي محرمات أو مقدسات في لغتي العربية .
# الحب هو أبو الشعر ، والكراهية أمه .
# أنا لست مثقفاً ، أنا أعيش على الهامش .
# المشهد الثقافي السوري لا يعني لي شيئاً على الإطلاق .
عرب
# نحن الآن أمام كربلاء ألكترونية .
# الشعب العربي الآن يعيش مثل جحا الذي قالوا له يوماً :
يا جحا مدينتك تعهرت .
فقال لهم : "عليَّ بحارتي" .
قالوا له ؛ : "حارتك تعهرت" .
قال لهم : "عليَّ ببيتي" .
قالوا له : "بيتك تعهر" .
قال لهم : "عليَّ بسريري" .
قالوا له : "سريرك تعهر" .
فقال لهم : "عليَّ بمؤخرتي" .
# الغرب وضع الإنسان العربي أمام خيارين : إما البوط العسكري وإما العمامة .
# عندما غنى فريد الأطرش للوحدة ، انتهت الوحدة العربية .
# مرحلة الإرهاب في الخمسينات ، التي عانى منها جيل بكامله ، أعتبرها الآن مرحلة إرهاب نبيل . كان إرهاباً بدائياً ، يدوياً .
# كان يجب إهانة هذه الأمة . أقول ذلك من شعور رؤية ولد يضرب شيخاً هكذا تعامل هذه الأمة أبطالها ، وذاكرتها .
# علمونا أن الإنتصارات ستُقدم ، هذا وهم . ليس هناك شيء جاهز .
# أما أفق مظلم ، السجين لا يفكر بالسجن بل بالذكريات الجميلة من هنا نظرتي الدائمة إلى الماضي المفقود . الحاضر العربي سجن .
# أنا لا أعترف بإسرائيل حتى لو رأيت أطفال الحجارة يبصمون على الإعتراف بها .
# فلسطين ليست ياسر عرفات وميكروفوناً . إنها موجودة في خلايانا .
# الشعارات اليوم تشبه امرأة تقيَّة تُعرّى أمام أطفالها ببطء .
# فلسطين ستحررنا ، وليس نحن الذين سنحررها .
# إن النظام العالمي الجديد لن يصادر حتى حذائي .
# لديهم نفط ؟ نفطنا دموعنا .
عواصم
# صرت جزءاً من دمشق ، ودمشق صارت جزءاً مني . إنها قصة الحب الأول والصوت الأول .
# ليس هناك إبداع في مصر . هناك سعاد حسني .
# بيروت مثل أمّ منهمكة في الغسيل وإذا بان فخذاها قالوا عنها عاهرة
fatma
09-27-2003, 10:59 PM
أسبوعيات غير متزنة.. منقار الديك
صحيفة تشرين
السبت 6 ايلول 2003
د. غسان رفاعي
أتاني مستبشراً لا يخفي غبطته، وأخرج قصاصة الصحيفة من جيبه، وشهرها في وجهي قائلاً: «وجدتها، هذه زاويتك عن الحبيب محمد الماغوط التي نشرتها في مجلة عربية تصدر في باريس في 6 أيلول 1994. لقد تحادثت مع الماغوط قبل مجيئي الى باريس، واكتشفت انه لم يقرأها انها ماتزال طازجة، ويجدر بك ان تنشرها في «اسبوعياتك غير المتزنة»، فقد يطرب لها الحبيب الماغوط.
ــ1ــ
. كان له دوماً ركن محجوز في مقهى ما، وكان له دوماً مزاج «مخضوض» لمواجهة موقف ما، وكان يسكنه دوماً خوف معربد بسبب ما. احترف الكتابة لأنه مولع بتمزيق مايكتب، وتسلل الى الشعر لأنه مصمم على تهشيم القافية، واقحم في الصحافة لأنه مفعم بالحقد على رؤساء تحريرها، اصبح عاشقاً مزمناً، لا لأنه يحب، وانما لانه يكره الكراهية، ولزق بالحياة العائلية لا لأنه أليف، وانما لأنه بحاجة الى الحماية، واستنقع في الوطن، لا عن «وطنية مستنيرة»، ولكن لأنه يخاف الهجرة.
. بعد خمس وعشرين سنة من التسكع والتوجع والصراخ مازال محمد الماغوط من نزلاء المقاهي، وليس من نزلاء السجون، والحمد لله. ومازال يقتل اصدقاءه بمزاجيته لا بخنجره، والحمد لله، هرم وشاخ، ولكنه مازال مراهقاً غير محتشم، يعمره القنوط واليأس ولكن دهشة الاطفال بقيت مختبئة في عينيه، اثقلته المسؤوليات الجسام، ولكنه مازال يرفل باللاانتماء كأي متسكع طريد، ومازال يكتب ويمزق، ويخاف، ويشتم، ويضحك.
ــ2ــ
. تعانقنا بعد غياب طويل في مقهى الشام، وقد اضحى المقر المختار للمتذمرين والمتبرجزين، والمتثاقفين، فتشاكونا، وتكاذبنا، وتشامتنا، وقهقهنا، وتذكرنا. قال لي، وهو يلتفت يمنة ويسرة.
ــ اكتب، وأخفي، وأكدس، وأرتعد.
قلت في تخابث:
ــ طبعاً ما يكتب ليس للنشر
قال، وهو يمضغ سيكارته:
ـ بل للنشر على حبال الغسيل.
قلت في عتب:
ــ قالوا لي انك دخلت جنة الانتماء.
قال وهو يقفز عن كرسيه:
ــ لا أستطيع أن انتمي حتى ولا لفروة رأسي او لون شعري.
. وتذكرنا معاً زاويته عن افتتاح فندق ميريديان في دمشق.
. لقد دعيت ـ وكنت رئيساً لتحرير صحيفة رسميةـ ، الى حفل استقبال كبير بمناسبة تدشين افتتاح فندق الميريديان، ولكن مشاغلي حالت دون حضوري، فرجوت محمد الماغوط، وكان يتناوب هو وزكريا تامر على كتابة زاوية في الصحيفة تحت عنوان «عزف منفرد»، كان لها معجبون كثر، بل لعلها من أكبر العوامل في نجاح الصحيفة، ومضاعفة انتشارها، ويبدو ان ادارة الفندق شاءت ان تجعل من حفل الاستقبال حدثاًَ اعلامياً واجتماعياً استثنائياً، اذ دعت اليه جمهوراً غفيراً من المسؤولين، وممثلي الفعاليات الاقتصادية والوجهاء والصحفيين، وحرصت على ان يكون نموذجاً رفيعاً في السخاء والذوق الفرنسيين، واجمع المدعوون ان طاولات الطعام كانت اقرب الى اللوحات الفنية النادرة من كثرة ماحشد لها من تنسيق وألوان وابتكار في العرض والزينة.
.ولم يصدق محمد الماغوط عينيه ـ فيما روى لي فيما بعد ـ اذ لم يكن قد اطلع بعد على ترف المجتمع المخملي البورجوازي، ولم يكن يتصور ان طاولات الطعام يمكن ان تكون بمثل هذا السخاء الجنوني، والجمال الاسطوري، وقد كتب زاوية لم اعد اذكر عنوانها، وصف فيها ديكا محشواً يتصدر الطاولة الرئيسية، وقد اجاد الطاهي في تزيينه وترصيعه حتى خيل للجميع انه ديك حقيقي، وليس ديكاً مطهياً، وكان مما كتبه الماغوط، على ما أذكر: «خشيت ان امد اصبعي باتجاه منقار الديك، خشية أن ينقض عليها ويأكلها» وانهى الماغوط زاويته بنداء الى «جياع العالم ان يتحدوا» أسوة بعمال العالم.
كانت الزاوية قطعة رائعة من الادب الساخر الرفيع الذي يمتاز به الماغوط، ويتفوق فيه على الجميع وقد أثارت اعجاب كل من قرأها، وانهالت عليه مكالمات الاعجاب والاستحسان.
في صبيحة الغد تلقيت مخابرة هاتفية من وزير السياحة قال: هل تقرأ مايكتب في صحيفتك.
وأدهشني السؤال وقلت مازحاً: قد أقرأ مايكتب بعض الأحيان!.
وانفجر سيادة الوزير غاضبا: هل قرأت زاوية محمد الماغوط عن حفلة تدشين فندق الميريديان؟ انها فضيحة لاتحتمل! لقد نسفت الخطة التي وضعتها وزارتنا لتشجيع السياحة، انها تسخر من فكرة بناء فنادق من الدرجة الأولى، وتحرض على إجهاض مشاريعنا المستقبلية.
ولم أنجح في تهدئة غضب الوزير الذي طالب بكل جدية بمنع الماغوط من الكتابة وفرض عقوبة رادعة عليه.
ـ 4ـ
تشاء المصادفات أن أدعى الى حفل استقبال، في فندق الميريديان في باريس بعد عشر سنوات، بمناسبة إطلاق مؤتمر الفرانكوفونية دعي إليه حشد كبير من المسؤولين ورجال الأعمال والكتاب والفنانين والصحفيين وقد تعرفت الى رئيس مجموعة فنادق ميريديان في العالم السيد فرانسواد. فخطر على بالي أن أحدثه عن افتتاح فندق الميريديان في دمشق، وعن الزاوية التي كتبها شاعرنا الحبيب محمد الماغوط والضجة التي أثيرت حولها. استمع إلي باهتمام، وطلب مني أن أوافيه بهذه الزاوية أو على الأصح بترجمة لها. فكان له ماأراد، وترجمت له الزاوية باتقان وأرسلتها إليه، ولم يمض أسبوعان حتى تلقيت منه مظروفاً يتضمن رسالة ودية ونسخة من المجلة التي تصدرها إدارة فنادق الميريديان، وفيها الترجمة الحرفية لزاوية محمد الماغوط، بالاضافة الى كلمة من المدير العام السيد فرانسواد. يقول فيها: «لقد استمتعت بقراءة ماكتبه شاعركم، وأنا مقتنع أن زاويته تصلح لأن تكون دعاية لفندق الميريديان في دمشق. شكراً».
ـ 5ـ
مايدفعني الى التذكير بما كتبته عن الصديق الماغوط اعتباران:
أولهما شعوري بأن الكثير من مناقير الديوك قد غزت منطقتنا بعد أن تزينت وتبرجت، ولكنها ماتزال شريرة وجاهزة للانقضاض والعض، ومن هنا أهمية الزاوية التي كتبها الشاعر الكبير محمد الماغوط.
وثانيها أنني رافقت الماغوط، حينما أتى الى باريس في أواخر التسعينيات للمعالجة، وقد ذهبنا معاً لاستشارة أحد كبار الاختصاصيين، وبعد أن أخضع الماغوط لفحوص معمقة وشاملة نظر إليه الطبيب الاختصاصي وقال له:
يجب عليك الاقلاع عن ثلاث مخالفات صحية خطيرة: الانفعال الشديد، والتدخين، والشراب، والافان حياتك في خطر، وعذر من أنذر!.
وحينما خرجنا نظر الي الماغوط وقال لي بأسلوبه الساخر: مايدعوني إليه صاحبك النطاسي هو أن اغتال نفسي وهذا شيء لن أفعله، ماذا يظن؟ هل يريدني أن أتستر تحت قوقعة من الصدف كالسلحفاة وأن لاأتفاعل مع مايجري في وطننا العربي المترامي الأطراف. هل يريد مني أن أتوقف عن التدخين والشراب لأطق من القهر والحرمان؟.
ونظرت إليه بهلع وقلت: «ولكنه كان جاداً، وهو يحذرك كطبيب مسؤول»!
أشعل سيجارته، وغب دخانها الأسود وقال: «وأنا شاعر مسؤول، ولن أستقيل!».
fatma
09-27-2003, 11:00 PM
محمد الماغوط .. شجر دهري
زهرة الخليج / أحمد على الزين
يسكن دمشق وضحكته .. لا أحد يراه منذ سنوات . لم يخرج من بيته على الإطلاق. لكأنه يخشى أن يأتي في غيابه زائر غريب ينتظره منذ مصرع الشنفري . الشاعر الصعلوك . سنة 510 ميلادية . أو رسول من المتنبي المقتول سنة 965 . لكأنه إذا غادر حجرته الممتلئة به وبأشيائه المتناقضة على طاولة النبيذ . يصاب بالندم . إذ إن الفراق محكوم بالصدف . ورب صدفة تحدث في غيابه . لذلك . اختار الغياب الدائم في حضوره الدائم . جامعاً ما بين طرفي العتمة والضوء . على نحو شائك . يعالج تبعات العزلة ومنسوب الحزن بالتبغ والكأس ومنادمة الوحدة . مطعوناً بسهام الغدر من بطل مسرحي . في ضيعة بعيدة . سمّاها باسم الخريف . وشجره باسق في الطريق من الشمال الى الشمال . أحياناً في العودة . لايجد شجرة أو ذكرى تؤنس الرحيل المستديم في خاطره.
صباح الخير يا محمد ... أجاب من الطرف الآخر . بصوته الموسوم أبداً بالجرش التبغي . المكحل ببحة صراخ قديم على أبواب الأوطان المستباحة . جئت دمشق لأراك .. فضحك وسعل وأنتظر .. وأتيت . طرقت الباب . فتحت لي سيدة نحيلة سمراء وحزينة . ثانية . جرش صوته من حجرته الزائفة في نصف عتمة . تفضل أيها الزائر . انحنيت . عانقته . بدا لي أنه موجود من قبل مصرع الشعراء العرب القدماء في بوادي العزلة.
آه . ما أسهل الحياة لولا الكرامة.
... وأصيب بنوبة من الضحك المصحوب بالسعال . يرتج على كنبته . ساخراً هازئاً من عالم خاسر لامحال.
كم أنت موحش أيها الليل
دون امرأة أو سلطة
وكم أنت طويل أيها الطريق
دون شجرة أو ذكرى
يسكن دمشق وضحكته . وحيداً. يعالج مسألة شائكة . يسند إلى "ركبته" ورقة ويكتب . ولايصل . ويعيد الكتابة ولايصل. يستقيل قليلاً من المهمة الجليلة . يسدل الستار على "عصفوره الأحدب" وعلى المهرّج على "غربة" ويشرب كأس الوطن . يكتب اسم البلاد على الغيم لعلّها تمطر . وعلى الدوام تمطر في القلب. ويصمت البدوي المعفّر بالقصائد والحداثة والثورة والأحلام . لمئة عام . ويعود إلى شأنه المستعصي . مسرفاً في الشراب . لعلاج السخط . يخون الجسد الذي لم يعد يحتمل اشتعال الروح . ثم يداويه مرة بعد مرة بالكتابة . فيقول :
"كل الرياح والعواصف والدموع والأحلام والكوابيس والمناحات خرجت من دفاتري . ولا أزال في الصفحة الأولى".
والصفحة الأولى مسندة إلى "ركبته" مثلما كان يفعل قبل ستين عاماً . هكذا يكتب .. طاولته جزء من جسده . وقلمه جزء من اشتعال جمره الخامد تحت رماد السنين يحركه . يتذكره ويضحك . الضحك علاج ممكن لتخفيف الألم المعتّق في القلب.
ويقول :
الذين ملأوا قلبي بالرعب
ورأسي بالشيب المبكر
وقدحي بالدموع
وصدري بالسعال
وأرصفتي بالحفاة
....
ثم أخذوا سيفي كمحارب
وقلمي كشاعر
وريشتي كرسام
وقيثارتي كغجري
وأعادوا لي كلّ شيء وأنا في الطريق إلى المقبرة
ماذا أقول لهم أكثر مما يقوله الكمان للعاصفة.
fatma
09-27-2003, 11:02 PM
الشاعرة الراحلة سنية صالح في ((الزمان الضيق)).. «سفر موجع من قطب الجسد إلى قطب الروح»
صحيفة تشرين
الاثنين 8 ايلول 2003
بقلم: ممدوح السكاف
عندما صدرت المجموعة الشعرية الأولى للشاعر العربي الكبيرمحمد الماغوط (حزن في ضوء القمر) عام 1959 أثارت ضجة أدبية كبرى في الأوساط الثقافية بين فريقين، محبذ مؤيد أو معارض منتقد لهذا النوع من الإبداع، وتذكر الشاعرة نازك الملا ئكة في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) أن الكاتبة خزامى صبري قد دبجت مقالة عن هذه المجموعة بدأتها بالمقدمة التالية (مجموعة شعرية لم تعتمد الوزن والقافية، وغالبية القراء في البلاد العربية لا تسمي ما جاء في هذه المجموعة شعراً باللفظ الصريح ولكنها تدور حول الاسم فتقول إنه (شعر منثور) أو (نثر فني) وهي مع ذلك تعجب به وتقبل على قراءته، ليس على أساس أنه نثر يُعالج موضوعات أو يروي أحداثاً، بل على أساس أنه مادة شعرية، لكنها ترفض أن تمنحه اسم الشعر وهذا طبيعي من وجهة نظر تاريخية بالنسبة للقراء العاديين. أما النقد فيجب أن يكون أكثر جرأة، أن يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، وأنا أعتبر هذا «النثر الشعري» شعراً).
غير أن الشاعرة الراحلة سنية صالح قرينة محمد الماغوط في مجموعتها المبكرة «الزمان الضيق» الصادرة منذ حوالي أربعين عاماً قد حسمت هذه القضية من جانبها ووضعت تحت عنوان المجموعة المذكورة المتضمنة بأكملها قصائد نثرية كلمة «شعر» متحدية الأعراف والتقاليد النقدية والاجتماعية السائدة آنئـذبكل تشددها وتطلبها أن ينتمي الشعر إلى عالم الوزن والإيقاع والترنيم، إلى جو القرار الرخيم المتولد عن الروي والقافية، فأظهرت بذلك جرأة وشجاعة فائقتين باسلتين في اختراق الباب الضيق للكهنوت الشعري الكلاسيكي المتصلب في مرحلة ظهور مجموعتها فكانت رائدة في صرختها وتحديها واستبدالها الموسيقا الخارجية العروضية بالموسيقا الداخلية أو موسيقا الفكرة تنساب كالحلم الشفيف في قصيدتها أو الموسيقا المعبرة بترجيع الأحرف اللفظي:
لا شيء غير الجمر
كل أحبائي فيه
أو راحلون إليه
مزق الخزامى الوجيعة
والمصابيح المطفأة
في منفى القلب
صحيح أن قصيدة النثر قد افتقدت عنصراً هاماً من عناصر الشعر هو عنصر الإيقاع المنضبط، وطبيعي أن العناصر الفنية إذا اختفى منها عنصر في العمل الأدبي فيجب أن يحل محله عنصر آخر وبدرجة مركزة ومكثفة، بمعنى أنه ينبغي أن يحل محله بديل؛ واللغة العربية قادرة بما فيها من تنوع في البنى والأنماط اللغوية أن تخلق ما يمكن أن يسمى «موسيقا السياق» أو موسيقا الإيقاع الداخلي غير المحسوس نبرياً، أو موسيقا الجناس الاشتقاقي الخفي فنياً أو موسيقا التكرار و الترجيع، وهذا ما جهدت في توفيره سنية صالح لقصيدتها النثرية حيث نراها تشحن مقطوعاتها بإيقاعاتها التقطيع اللغوي لجسد العبارة العربية المتراخي بسبب جاهزية التقنية الكلاسيكية لصياغة الجملة على المعايير والأسس المتداولة، المتعارف عليها:
جئناك أيها الزائر الاستوائي
نعشق رائحة أرضك، نلبسك
وننام ..في نومنا حريق الصبوة
ومعروف أن الشعراء الكبار في الشعر العربي الحديث باستثناء (سان جون بيرس) لم يخرجوا عن الإيقاع المنضبط بالوزن، من هؤلاء (ييتس) و(فاليري) و(ريلكه) وغيرهم كثير، فالانضباط عامل تكثيف في القصيدة، وهو الذي يمنعها من أن تنساح وتتشتت. وإذا كان الشعر كما يرى الشاعر الراحل خليل حاوي، هو الفن الأسمى في الكتابة، أي أنه ذروة الوحي والإيحاء، فهو لا يحتمل النوافل والهوامش، ولا التخلخل والتميع؛ فإن قصيدة النثر إن كانت قد حققت نجاحاً ما لدى بعض هؤلاء الشعراء الأوربيين فلأنه توافرت لديهم القدرة الفائقة على خلق الصور التي تعبر عن أعمالهم، بمعنى أن قصائدهم قامت على ركن من اثنين وهو التفوق في الصورة.
وهكذا لم تغفل سنية صالح عن هذه الحقيقة، حقيقة التعويض عن انعدام الوزن الشعري المتوارث بالصورة الشعرية المشحونة شحناً قوياً بالانفعالات والمشاعروالألوان وتأثيراتها المعتمدة أساساً على الفن الاستعاري بما فيه من تجسيم وتشخيص يتعمقان بناء اللغة وضمائرها وأفعالها وصفاتها مستذكرة في ذلك، كما يبدو، على قولة أرسطو المشهورة «إ ن أعظم شيء أن تكون سيد الاستعارات، الاستعارة علامة العبقرية، إنها لا يمكن أن تعلم.. إنها لا تمنح للآخرين» وتأسيساً على هذا، ،ومن منطلقه، احتشدت قصائدها بفيض من الصور الشعرية الاستعارية مانحة إياها على الأغلب طعم المرارة والملوحة تعبيراً عن عالمها الداخلي الغريب، ووطأة معاناتها الوجودية الضاغطة.
ألف حصان يصهل في دمي
أتذرع بموتي
أرضع جوع الذئاب، أمتطي شعر الريح، ألبس الليل
ومن ناحية أخرى فإن هذا التشخيص الاستعاري قد تجسد بالطبيعة في تجربة سنية صالح الشعرية والنفسية والفلسفية أكثر ما تجسد فبدت تلويناته وتمويجاته في هذه النقطة أشد من غيرها بشكل واضح ومؤثر، وبحساسية عالية، فالشاعرة تقول للطبيعة في زمانها الضيق أشياء لا يقولها البشر، إنها تبشر بعالم مسكون بالهاوية والزرقة، تفضح مخزون الأرض والإنسان، وتقبع على أعلى قمة في أعلى جبل وتصرخ: إنني أمر من أعصابي وأهرول في دمائي وأتطهر بالصلوات الحزينة، لأحيا فيكم:
نعيش فصل الحب كالحشائش
نبحث عن أرض صغيرة
وعن حلم صغير..
وحين يأتي المساء
ننهض كالضباب فوق الأعشاب،
نبحث عن أشعارنا، وعن دموعنا الذابلة
الطبيعة عن سنية صالح تتأنسن: فهي تتوحد مع الذات البشرية وتتناعم مع بقية المخلوقات والموجودات، تشكو وتئن، وتسافر وتعود، وتتحلل من عاداتها وأوهامها، وتبني لنفسها عوالمها الدائمة التجدد والانبعاث وتغير من إهابها في حالة صيرورة مستمرة، وتعصي النواميس: تشتي في الصيف وتزهر في الخريف، تهب رياحها غباراً، وأمطارها وحلاً، الطبيعة في قصائد سنية، تلد بلا أوجاع، لأنها متتابعة الخصوبة، فتية العطاء مستعدة على حالات الإخصاب المتواترة.
أما الحب في «الزمان الضيق» فسفر موجع من قطب الجسد إلى قطب الروح، يعثر ويكبو أحياناً ولكنه يستدفع نفسه من الداخل فينهض ويشمخ، إنه مشحون بقوة بقائه على صعيد انصهاره في الذات، وانصهاره في الجماعة، حبها، ليله ولهٌ وتعبدٌ
ونهاره ذكريات وندم، إنها عاشقة ومن طراز جديد للأرض، للإنسان للطبيعة، للحبيب الغائب البعيد، للخوف والغربة والتمرد والجنون.. دماؤها، صوتها، أظافرها، أعصابها، ونواة روحها تعشق:
لظلال حبي الوردية أرفع مصباح
الذكريات
لظلال حبي
تخفق الأشعار فوق الجرح
حيث الوله سيد اللحظة
أنطوي فوق روحي
برائحة البحر والغابات
برائحة الحزن والمطر
بالرائحة المنسية فوق الجلد
ولكن سنية صالح لاتعيش غربتها الروحية وعوالمها الشعرية منكفئة على ذاتها في أعالي برجها النفسي، وتنسى العالم الخارجي وما يموج فيه من ظلم وعبودية وقهر واستغلال، إنها تخرج من زمانها الضيق، إلى زمان فسيح، وتمد جناحها القاصي لترى مأساة الشعوب المستعمرة وقد أبهظها النير وهي ترزخ تحت قيد الطغاة فلا تستسلم وإنما تناضل بضراوة، بلا هوادة، في سبيل حق الحرية ومطلب الاستقلال، فتغني لهم ولملاحمهم الظافرة غناء نشيدياً حاراً وملتهباً وتندغم حنجرتها الثورية بحنجرة كفاحهم فتكتب للجزائر البطلة وهي تخوض معركتها الصامدة ضد المستعمرين الفرنسيين، وللزنوج في افريقيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وهم يقاومون جلادهم الأبيض شبه عزل، وتصوغ من قصائدها الملتزمة بالهم القومي والإنساني ملحمة نازفة للجرح والرؤيا والمستقبل والبراري النائمة في حضن اللقاح ولسرير النهر، وأرض الصمت، لجذور الرياح وهي تهب لتبيد الشر، وللموت العظيم من أجل قضية كبرى، ولجسد السماء في فصل الحب يعنو على جسد الأرض ويعتنقه، ليتحدا فتنبثق براعم أجيال جديدة، ولأحزان العصافير في رماد الخريف ولنبوءة شاعرة في احتضار امرأة مبكر.
إن قصائد هذه المجموعة التي كتبت في أواخر الخمسينيات وصدرت في أواخر الستينيات تشكل عالماً شعرياً ثرياً مفعماً بالوداعة ينبع من التراب والطبيعة الصامتة والحية ويتغلغل في حالة الكائنات الصغيرة الوحيدة المعزولة خلف صحراء السكينة، ويتصل بالدنيا عبر كونها الحافل بالنبات والأشياء وفردوس الحلم.. ومن بين أرض الأعشاب والمياه والجنادب يتَّئِم بالقضايا الوطنية والعالمية ليرفع حداءه النبيل من أجل غد أفضل للوجود البشري، ويغني بلغة مورقة بالشفافية والحنين، تتوهج بعفوية الموهبة وعذوبتها وإشراقتها مما يقتضي استعادة قراءتها لأهميتها وخصوصيتها وتبكيرها في مواجهتها السلفية على صعيد الشكل تحديداً بوقعها النوعي وجوها المميز على الرغم من مرور أكثر من ثلث قرن على صدور «الزمان الضيق» في زمن كان فيه بعض فسحة وواحة أمل لتجارب الاختراق والمواجهة وعناوين الحداثة الجادة البناءة النبيلة المقصد.
الله يعطيكي الف عافية على هيك مواضيع
انت لست بشخص عادي أبدا وياخسارة سوريا إذا حضرتك بالكويت