fatma
10-16-2003, 12:55 AM
أحزان صغيرة
نقر على الباب نقرات خفيفة وانتظر، كان متردداً، خائفاً، وبدأ طفح من العرق البارد يتصبب من مسامات جلده، شعر بتراخ في أطرافه فدق قدميه جيداً في الأرض، تناهى إلى سمعه وقع خطوات رتيبة من الداخل، فتكاثرت حبيبات العرق على وجهه، وجعل جسده يهتز بعنف، وهم بالتراجع، غير أن الباب فتح تلك اللحظة.
- أهلاً.
انسرب الصوت إلى أذنيه كأنه الحلم، ارتعش في وقفته، ورفع عينيه بصعوبة عن الأرض، وراح يتطلع باستحياء في الوجه الذي انتصب أمامه: الوجه ابيض، مدور، يطوقه منديل من الموسلين الشفاف (آه لو رأيتها يا أحمد، جميلة، رائعة، وتحبني، لكنني لا أفكر في الزواج منها، فربما أموت وأخلفها ورائي حزينة معذبة، فنحن كما تعلم لا نملك أقدارنا).
عاجلته وثمة ابتسامة وديعة تفر من شفتيها.
- لابد أنك احمد، رفيق عدنان.
هم بالابتسام، لكن ملامح وجهه اتخذت شكل البكاء، وراح على الفور يتطلع من خلال الموارب إلى الداخل، شعر بهم ثقيل ينمو في صدره، ويكبر في لحظات، يكاد يخنقه، وفكر: لم لا أؤجل الخبر إلى يوم آخر.
- تفضل.
راحت تعبر الباب أمامه: خطوات رتيبة، هادئة، ثقيلة، وغرس عينيه في الأرض، ثم مد قدمه يعبر الباب (تبكى يا أحمد كلما لقيتها بعد الإجازة، يعذبني بكاؤها، تقول: إما أن نتزوج، أو أنك لا تحبني، يجب أن نتزوج يا عدنان، وننجب ولداً وبنتاً، ولداً وبنتاً فقط).
في الغرفة اليتيمة، اتخذ مكانه فوق كرسي خشبي، وجلست هي قبالته تماماً، فوق كرسي مشابه، وراءها على الحائط.. صورة كبيرة لعدنان: وجه أسمر، ملامح حادة، شعر كثيف، ابتسامة واثقة.
- لابد أن عدنان مشغول، وإلا لحضر.. فاليوم موعد رواحه. ارتجفت شفتاه رجفة شديدة، وانفلتت منهما غمغمة خافتة، مضطربة، وجعل يلملم جسده فوق الكرسي، ويفرك يديه في حركة دائرية، ثم راحت عيناه تركضان في زوايا الغرفة: الغرفة الصغيرة.. جدرانها بلون الطباشير، سرير حديدي صدئ في الوسط، "مصفط الفرشات" في الواجهة (تقول لي: إن الحب يلغي الموت، فهل هذا صحيح يا أحمد ربما ..ربما..).
- عدنان قال لي انك خجول.
ندت منها ضحكة ناعمة، فانتزع عينيه عن أشياء الغرفة، عاودته الرجفة، وغزا جسده طفح من العرق الغزير، فتح فمه، هم لأن يقول شيئاً، غير أنه أحس بثقل ما يشد لسانه إلى الداخل.
- لابد أنك متعب.. سأحضر لك كاسة شاي .
انتصبت واقفة، مثل فرس، أخذت تحكم منديل الموسلين حول وجهها.. لاحظ انها سمينة أكثر مما وصفها له عدنان، وثمة بروز واضح في البطن (انها فعلاً صادقة يا أحمد .. فالحب يلغي الموت.. لذا يجب ان نتزوج، لعل حبنا يثمر ولداً أو بنتاً).
استدارت تعبر الغرفة إلى باب جانبي صغير، يؤدي إلى ممر ضيق، ثم راح يتطلع من خلال النافذة الوحيدة في الغرفة: بيوت المخيم في الخارج.. تتكوم لصق بعضها، مثل قطيع نعاج في يوم حار، ثمة زوابع ترابية تهب في الشوارع (أتدري يا أحمد .. يعاودني الخوف عليها كلما رجعت إلى البيت، وتطلعت في عينيها، تحبني يا أحمد، وتحتضني مثل طفل.. وتمسح عن وجهي التعب).
من الممر تناهى إلى سمعه صوت تدفق الماء، ووشيش بابور الكاز.. كانت تبعث عينيها نحوه في وجوم، التقت عيناه بعينيها لحظة، فاضطرب .. وأطرق خجلاً، وسقطت عيناه بين قدميه.. وعلى الفور اخترق سمعه صوت ارتطام قوي في الممر.. فعاود يبعث عينيه نحوها.. بدت تلك اللحظة وكأنها شاخت تماماً – لابد أنها أدركت .. إذ جمدت في مكانها .. ساكنة مثل تمثال.. (آخر مرة فيما كانا يعبران ليل الذل، إلى إشراقة الزهو.. قال عدنان: ثمة احساس غير عادي.. يستولي علي.. إنه بالتأكيد ليس الخوف وحده.. انه مزيج من الحزن والفرح،
والشوق والخوف..). جاءت تحمل صينية الشاي.. بدت خطواتها ثقيلة، ثقيلة، كأنما ترهل جسدها فجأة.. وجهها شاحب، وثمة رجفة في اليدين.. لاحظ ان منديل الموسلين قد سقط خلف رأسها.. وضعت صينية الشاي أمامه، واتخذت مكانها قبالته فوق الكرسي الآخر.. راحت عيناه تتسلقان وجهها، كانت عيناها هذه المرة قد اتسعتا، وبدتا مثل بركة ماء صغيرة تعكر سطحها.
نقر على الباب نقرات خفيفة وانتظر، كان متردداً، خائفاً، وبدأ طفح من العرق البارد يتصبب من مسامات جلده، شعر بتراخ في أطرافه فدق قدميه جيداً في الأرض، تناهى إلى سمعه وقع خطوات رتيبة من الداخل، فتكاثرت حبيبات العرق على وجهه، وجعل جسده يهتز بعنف، وهم بالتراجع، غير أن الباب فتح تلك اللحظة.
- أهلاً.
انسرب الصوت إلى أذنيه كأنه الحلم، ارتعش في وقفته، ورفع عينيه بصعوبة عن الأرض، وراح يتطلع باستحياء في الوجه الذي انتصب أمامه: الوجه ابيض، مدور، يطوقه منديل من الموسلين الشفاف (آه لو رأيتها يا أحمد، جميلة، رائعة، وتحبني، لكنني لا أفكر في الزواج منها، فربما أموت وأخلفها ورائي حزينة معذبة، فنحن كما تعلم لا نملك أقدارنا).
عاجلته وثمة ابتسامة وديعة تفر من شفتيها.
- لابد أنك احمد، رفيق عدنان.
هم بالابتسام، لكن ملامح وجهه اتخذت شكل البكاء، وراح على الفور يتطلع من خلال الموارب إلى الداخل، شعر بهم ثقيل ينمو في صدره، ويكبر في لحظات، يكاد يخنقه، وفكر: لم لا أؤجل الخبر إلى يوم آخر.
- تفضل.
راحت تعبر الباب أمامه: خطوات رتيبة، هادئة، ثقيلة، وغرس عينيه في الأرض، ثم مد قدمه يعبر الباب (تبكى يا أحمد كلما لقيتها بعد الإجازة، يعذبني بكاؤها، تقول: إما أن نتزوج، أو أنك لا تحبني، يجب أن نتزوج يا عدنان، وننجب ولداً وبنتاً، ولداً وبنتاً فقط).
في الغرفة اليتيمة، اتخذ مكانه فوق كرسي خشبي، وجلست هي قبالته تماماً، فوق كرسي مشابه، وراءها على الحائط.. صورة كبيرة لعدنان: وجه أسمر، ملامح حادة، شعر كثيف، ابتسامة واثقة.
- لابد أن عدنان مشغول، وإلا لحضر.. فاليوم موعد رواحه. ارتجفت شفتاه رجفة شديدة، وانفلتت منهما غمغمة خافتة، مضطربة، وجعل يلملم جسده فوق الكرسي، ويفرك يديه في حركة دائرية، ثم راحت عيناه تركضان في زوايا الغرفة: الغرفة الصغيرة.. جدرانها بلون الطباشير، سرير حديدي صدئ في الوسط، "مصفط الفرشات" في الواجهة (تقول لي: إن الحب يلغي الموت، فهل هذا صحيح يا أحمد ربما ..ربما..).
- عدنان قال لي انك خجول.
ندت منها ضحكة ناعمة، فانتزع عينيه عن أشياء الغرفة، عاودته الرجفة، وغزا جسده طفح من العرق الغزير، فتح فمه، هم لأن يقول شيئاً، غير أنه أحس بثقل ما يشد لسانه إلى الداخل.
- لابد أنك متعب.. سأحضر لك كاسة شاي .
انتصبت واقفة، مثل فرس، أخذت تحكم منديل الموسلين حول وجهها.. لاحظ انها سمينة أكثر مما وصفها له عدنان، وثمة بروز واضح في البطن (انها فعلاً صادقة يا أحمد .. فالحب يلغي الموت.. لذا يجب ان نتزوج، لعل حبنا يثمر ولداً أو بنتاً).
استدارت تعبر الغرفة إلى باب جانبي صغير، يؤدي إلى ممر ضيق، ثم راح يتطلع من خلال النافذة الوحيدة في الغرفة: بيوت المخيم في الخارج.. تتكوم لصق بعضها، مثل قطيع نعاج في يوم حار، ثمة زوابع ترابية تهب في الشوارع (أتدري يا أحمد .. يعاودني الخوف عليها كلما رجعت إلى البيت، وتطلعت في عينيها، تحبني يا أحمد، وتحتضني مثل طفل.. وتمسح عن وجهي التعب).
من الممر تناهى إلى سمعه صوت تدفق الماء، ووشيش بابور الكاز.. كانت تبعث عينيها نحوه في وجوم، التقت عيناه بعينيها لحظة، فاضطرب .. وأطرق خجلاً، وسقطت عيناه بين قدميه.. وعلى الفور اخترق سمعه صوت ارتطام قوي في الممر.. فعاود يبعث عينيه نحوها.. بدت تلك اللحظة وكأنها شاخت تماماً – لابد أنها أدركت .. إذ جمدت في مكانها .. ساكنة مثل تمثال.. (آخر مرة فيما كانا يعبران ليل الذل، إلى إشراقة الزهو.. قال عدنان: ثمة احساس غير عادي.. يستولي علي.. إنه بالتأكيد ليس الخوف وحده.. انه مزيج من الحزن والفرح،
والشوق والخوف..). جاءت تحمل صينية الشاي.. بدت خطواتها ثقيلة، ثقيلة، كأنما ترهل جسدها فجأة.. وجهها شاحب، وثمة رجفة في اليدين.. لاحظ ان منديل الموسلين قد سقط خلف رأسها.. وضعت صينية الشاي أمامه، واتخذت مكانها قبالته فوق الكرسي الآخر.. راحت عيناه تتسلقان وجهها، كانت عيناها هذه المرة قد اتسعتا، وبدتا مثل بركة ماء صغيرة تعكر سطحها.