sy
08-09-2003, 05:55 AM
إنه لمن المثير للاستياء حقا أن يصل المواطن السوري إلى مرحلة من اليأس وانعدام الحس بالمسؤولية بات فيها يتقبل الأمور السلبية على أنها أمر واقع فعلا , بل لقد تعدى ذلك إلى مرحلة أكثر تطورا حيث أصبحت هذه الأمور بالذات مصدرا لنكاته ومرتعا خصبا لتندره.
على سبيل المثال أصبحت العملة السورية من فئة الخمس والعشرين ليرة رمزا من رموز الرشوة.
وما دمنا قد بدأنا الحديث عن موضوع الرشوة فأحب أن أشير إلى أن مبلغ الخمس والعشرين ليرة هو مجرد بداية (هذا إذا لم نأخذ بحسباننا الموظف الصغير في النواحي والقرى والذي تتأثر عواطفه بتفاحة أو بضع بيضات).
وأما ما بعد تعرفة الـ 25 ليرة (الرسمية) تلك. فكثيرا ما تسمع عبارة: (هذه المعاملة أو تلك الورقة بحاجة إلى قدمين لتمشي).
وقبل أن تستغرب وتحتج باسم قوانين الطبيعة أفسر أنا الأمر وحجتي قواعد اللغة العربية و(اتيكيت) الرشوة فأقول لك:
القدمان: تعبير مجازي وهو (كناية) عن مئتي ليرة سورية. ومن آداب الرشوة ألا يطلبها الموظف بشكل صريح ومباشر فهذا بعيد عن اللباقة لأنه يكون وقتها قد شكك بدرجة ذكاء المراجع وقدرته على استخراج المعاني المجازية والتشبيهية والكنايات من جمل اللغة العربية.
وعلى اعتبار أن معظم موظفي دوائرنا الرسمية لا يعينون في وظائفهم على ما يبدو قبل اتباع دورة تعليمية في أصول الاتيكيت والبلاغة اللغوية يتخرجون بعدها بدرجة: (جنتلمان) لضمان حسن تصرفهم مع المراجعين كما نلاحظ (بوضوح شديد) كل يوم في الدوائر الحكومية.
لذلك عزيزي المواطن.. لا تستغرب إذا قيل لك في دائرة رسمية عبارات مبهمة مثل: (طربوش), (أرنب), (معاملتك بحاجة إلى أربع أرجل لتمشي أو لخمسة ديكة توقظها من نومها في الدرج المغلق), (أحب السمن البلدي), (إنه موسم الزيتون!).
أو أية جملة أخرى قد تبدو لك غريبة باعتبار أنك لست بالمستوى الثقافي و(الاتيكيتي) الذي وصل إليه من يتحدث إليك عن طريق الدورة التعليمية (إياها) التي بت أنا شبه متأكدة أن معظم الموظفين قد انتسبوا إليها يوما ما.
أما إذا كنت جاهلا بمعاني أي عبارة مجازية من تلك العبارات المستخدمة أثناء تسيير معاملاتك فابتهج أيها المواطن.. سوف نقترح إصدار كتاب متخصص بفك شيفرة طلب الرشوة.
وبمناسبة الحديث عن الرشوة, فكرة مهمة تحضرني الآن وهي الخلط بين الرشوة والهدية... كلام كثير يقوله الموظفون لتبرير قبولهم للهدايا أو بالأحرى الرشاوى تحت اسم (هدايا).
قد يقولون: النبي (ص) قبل الهدية وهل الموظف أعلى مكانة من النبي حتى لا يقبلها?
وقد يذهبون أبعد من ذلك فيقولون إن زعيم الثورة الجزائرية إبان الاحتلال الفرنسي والمسمى (المهدي) قد سمي كذلك لكثرة ما تلقاه من هدايا من الناس!
إن الرسول قدوة للموظفين في التواضع. لكن الأهم أن يتخذوه قدوة في باقي شؤون العمل ولا أظن أن النبي أو أي شخص مستقيم السلوك كان سيقبل هدية من شأنها أن تكلفه مقابلا لها.
ولا أظن أنه كان سيقبل هدية كسيارة مثلا أو مزرعة (والسبب طبعا ليس أن مثل هذه الأشياء لم تكن موجودة وقتها).
إن الهدية مثلها مثل الهبة والمنحة وحب الأم كلها تمنح بلا مقابل أما الشيء الذي يعطى بانتظار أخذ شيء آخر مقابله فله أسماء أخرى: مقايضة, بيع, شراء وفي حالة حصل بواسطته على شيء لم تكن لتحصل عليه بالسبل المشروعة فهذه الحالة تسمى: الرشوة.
فلنحاول ألا نخلط بين الأمور وأما أن نسمي الرشوة هدية فهذا لا يغير شيئا من طبيعتها وهذا هو (الكلام الحق الذي يراد به باطل).
والجدير بالذكر أن ظاهرة الرشوة تتفاوت في درجة خطورتها.. صحيح أن أيا من أشكالها يشكل خطرا حقيقيا على المجتمع.. لكن بعضا من نتائج الرشوة يتعدى مرحلة الخطر ليندرج تحت عنوان (الكارثة) فكم من أبنية غير موافية للشروط الوقائية حصلت على صفة مشروعة (لا داعي لشرح كيف..) ثم انهارت على رؤوس ساكنيها?
كم من صفقات للمواد الغذائية (إنتاجا أو استيرادا ) تم إنجازها عن طريق الرشوة على الرغم من عدم صلاحيتها?
كم من وظائف شغلها أشخاص لن أذكر عنهم سوى أن مقولة: (الرجل المناسب في المكان المناسب) لا تنطبق عليهم بأي شكل كان?
المشكلة قد أوردت وإن الإحساس بالمشكلة ومن ثم تحليلها هو الخطوة الأولى نحو الحل الجذري المثالي.
وإن مشكلة الرشوة كغيرها هي إحدى نتائج الأزمة الاقتصادية التي نمر بها.
صحيح أن الرشوة موجودة في المجتمعات المستقرة ماديا لكنني لا أظن أنها منتشرة إلى هذا الحد وهذا الشكل الذي نشهده في مجتمعنا.
فمن البديهي إذا أن السير قدما في خطة زيادة الرواتب بشكل معقول وكاف لحياة كريمة دون أن تزداد الأسعار على أثره عشرين ضعفا من شأنه أن يخفف من هذه الظاهرة ويسهل سيرورة المحاسبة والرقابة.
وتبقى المهمة الأصعب هي الضرب على أيدي كل صاحب قرار يستغل منصبه ونفوذه لقاء مقابل: استغلالا منافيا للقوانين والتشريعات.
وإن اكتشاف هذه التجاوزات ليس بالسهل طبعا , ومرتكبوها من راش ومرتش ورائش يمشي بينهما, ليسوا من الغباء إلى درجة يرتكبون فيها أخطاء قد تفضح أمرهم.
لكن بعض الأشخاص مثيرون للاهتمام حقا و(يكاد المريب يقول خذوني), وبعض التجاوزات قد يكون واضحا وهنا يكمن دور الدولة.
س: هل حقا إذا زادت الرواتب يبتعد الموظفون عن تلقي الرشاوى?
ج: هذا هو المفروض.
س: وإذا لم يفعلوا?
ج: تأخذ الأجهزة الرقابية والقضاء مجراها.
س: وماذا لو لعبت الرشوة دورها هنا أيضا ?
ج: ??!!
منقول عن الإقتصادية
على سبيل المثال أصبحت العملة السورية من فئة الخمس والعشرين ليرة رمزا من رموز الرشوة.
وما دمنا قد بدأنا الحديث عن موضوع الرشوة فأحب أن أشير إلى أن مبلغ الخمس والعشرين ليرة هو مجرد بداية (هذا إذا لم نأخذ بحسباننا الموظف الصغير في النواحي والقرى والذي تتأثر عواطفه بتفاحة أو بضع بيضات).
وأما ما بعد تعرفة الـ 25 ليرة (الرسمية) تلك. فكثيرا ما تسمع عبارة: (هذه المعاملة أو تلك الورقة بحاجة إلى قدمين لتمشي).
وقبل أن تستغرب وتحتج باسم قوانين الطبيعة أفسر أنا الأمر وحجتي قواعد اللغة العربية و(اتيكيت) الرشوة فأقول لك:
القدمان: تعبير مجازي وهو (كناية) عن مئتي ليرة سورية. ومن آداب الرشوة ألا يطلبها الموظف بشكل صريح ومباشر فهذا بعيد عن اللباقة لأنه يكون وقتها قد شكك بدرجة ذكاء المراجع وقدرته على استخراج المعاني المجازية والتشبيهية والكنايات من جمل اللغة العربية.
وعلى اعتبار أن معظم موظفي دوائرنا الرسمية لا يعينون في وظائفهم على ما يبدو قبل اتباع دورة تعليمية في أصول الاتيكيت والبلاغة اللغوية يتخرجون بعدها بدرجة: (جنتلمان) لضمان حسن تصرفهم مع المراجعين كما نلاحظ (بوضوح شديد) كل يوم في الدوائر الحكومية.
لذلك عزيزي المواطن.. لا تستغرب إذا قيل لك في دائرة رسمية عبارات مبهمة مثل: (طربوش), (أرنب), (معاملتك بحاجة إلى أربع أرجل لتمشي أو لخمسة ديكة توقظها من نومها في الدرج المغلق), (أحب السمن البلدي), (إنه موسم الزيتون!).
أو أية جملة أخرى قد تبدو لك غريبة باعتبار أنك لست بالمستوى الثقافي و(الاتيكيتي) الذي وصل إليه من يتحدث إليك عن طريق الدورة التعليمية (إياها) التي بت أنا شبه متأكدة أن معظم الموظفين قد انتسبوا إليها يوما ما.
أما إذا كنت جاهلا بمعاني أي عبارة مجازية من تلك العبارات المستخدمة أثناء تسيير معاملاتك فابتهج أيها المواطن.. سوف نقترح إصدار كتاب متخصص بفك شيفرة طلب الرشوة.
وبمناسبة الحديث عن الرشوة, فكرة مهمة تحضرني الآن وهي الخلط بين الرشوة والهدية... كلام كثير يقوله الموظفون لتبرير قبولهم للهدايا أو بالأحرى الرشاوى تحت اسم (هدايا).
قد يقولون: النبي (ص) قبل الهدية وهل الموظف أعلى مكانة من النبي حتى لا يقبلها?
وقد يذهبون أبعد من ذلك فيقولون إن زعيم الثورة الجزائرية إبان الاحتلال الفرنسي والمسمى (المهدي) قد سمي كذلك لكثرة ما تلقاه من هدايا من الناس!
إن الرسول قدوة للموظفين في التواضع. لكن الأهم أن يتخذوه قدوة في باقي شؤون العمل ولا أظن أن النبي أو أي شخص مستقيم السلوك كان سيقبل هدية من شأنها أن تكلفه مقابلا لها.
ولا أظن أنه كان سيقبل هدية كسيارة مثلا أو مزرعة (والسبب طبعا ليس أن مثل هذه الأشياء لم تكن موجودة وقتها).
إن الهدية مثلها مثل الهبة والمنحة وحب الأم كلها تمنح بلا مقابل أما الشيء الذي يعطى بانتظار أخذ شيء آخر مقابله فله أسماء أخرى: مقايضة, بيع, شراء وفي حالة حصل بواسطته على شيء لم تكن لتحصل عليه بالسبل المشروعة فهذه الحالة تسمى: الرشوة.
فلنحاول ألا نخلط بين الأمور وأما أن نسمي الرشوة هدية فهذا لا يغير شيئا من طبيعتها وهذا هو (الكلام الحق الذي يراد به باطل).
والجدير بالذكر أن ظاهرة الرشوة تتفاوت في درجة خطورتها.. صحيح أن أيا من أشكالها يشكل خطرا حقيقيا على المجتمع.. لكن بعضا من نتائج الرشوة يتعدى مرحلة الخطر ليندرج تحت عنوان (الكارثة) فكم من أبنية غير موافية للشروط الوقائية حصلت على صفة مشروعة (لا داعي لشرح كيف..) ثم انهارت على رؤوس ساكنيها?
كم من صفقات للمواد الغذائية (إنتاجا أو استيرادا ) تم إنجازها عن طريق الرشوة على الرغم من عدم صلاحيتها?
كم من وظائف شغلها أشخاص لن أذكر عنهم سوى أن مقولة: (الرجل المناسب في المكان المناسب) لا تنطبق عليهم بأي شكل كان?
المشكلة قد أوردت وإن الإحساس بالمشكلة ومن ثم تحليلها هو الخطوة الأولى نحو الحل الجذري المثالي.
وإن مشكلة الرشوة كغيرها هي إحدى نتائج الأزمة الاقتصادية التي نمر بها.
صحيح أن الرشوة موجودة في المجتمعات المستقرة ماديا لكنني لا أظن أنها منتشرة إلى هذا الحد وهذا الشكل الذي نشهده في مجتمعنا.
فمن البديهي إذا أن السير قدما في خطة زيادة الرواتب بشكل معقول وكاف لحياة كريمة دون أن تزداد الأسعار على أثره عشرين ضعفا من شأنه أن يخفف من هذه الظاهرة ويسهل سيرورة المحاسبة والرقابة.
وتبقى المهمة الأصعب هي الضرب على أيدي كل صاحب قرار يستغل منصبه ونفوذه لقاء مقابل: استغلالا منافيا للقوانين والتشريعات.
وإن اكتشاف هذه التجاوزات ليس بالسهل طبعا , ومرتكبوها من راش ومرتش ورائش يمشي بينهما, ليسوا من الغباء إلى درجة يرتكبون فيها أخطاء قد تفضح أمرهم.
لكن بعض الأشخاص مثيرون للاهتمام حقا و(يكاد المريب يقول خذوني), وبعض التجاوزات قد يكون واضحا وهنا يكمن دور الدولة.
س: هل حقا إذا زادت الرواتب يبتعد الموظفون عن تلقي الرشاوى?
ج: هذا هو المفروض.
س: وإذا لم يفعلوا?
ج: تأخذ الأجهزة الرقابية والقضاء مجراها.
س: وماذا لو لعبت الرشوة دورها هنا أيضا ?
ج: ??!!
منقول عن الإقتصادية