مشاهدة النسخة كاملة : هل يحقق العمل في القطاع الخاص طموح خريجي الجامعات السورية ؟


sy
08-21-2003, 03:18 AM
شذا فرزلي
الحياة، 19/8/2003

أمنت الشركات السورية الخاصة العاملة في مجال الصناعات الغذائية والدوائية والالبسة الجاهزة والاعلان والاتصالات وغيرها، والتي يتركز معظمها في دمشق وريفها وحلب وريفها، فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لمئات الآلاف من السوريين. وعرف القطاع الخاص في السنوات الأخيرة نموذجاً مختلفاً للشركات الكبرى ذات الهيكلية الواضحة، التي يصل عدد موظفيها وعمالها الى الخمسة آلاف احياناً.

وساهمت هذه الشركات في تغييرالنظرة العامة الى العمل الخاص الذي كان في مجمله غير منظم، وذلك بعد أن كانت الوظائف الحكومية ملجأ آمناً ووحيداً لغالبية خريجي الجامعات أو الحاصلين على الشهادات الإعدادية والثانوية. وسجلت احصاءات العام 2002 التوزع للقوة البشرية العاملة على النحو الآتي: 26 في المئة للقطاع الحكومي، 6،34 في المئة للقطاع الخاص، 2،39 في المئة للقطاع الخاص غير المنظم، و2،0 في المئة للقطاع التعاوني والمشترك. وعلى رغم ما حققته الشركات الخاصة خلال فترة عملها السابقة، بقي التداخل كبيراً بينها وبين مؤسسات القطاع الحكومي، ومؤسسات العمل الخاص التقليدية التي يغلب عليها الطابع العائلي، لذا فهي لم تأخذ نمط القطاع الخاص في الخارج أو الدول العربية المجاورة مثل لبنان ودول الخليج.

نائلة (29 عاماً) فتاة حاصلة على شهادة الماجستير من كندا في ادارة الموارد البشرية في الخارج تحدثت لنا عن ضعف امكانات المورد البشري المتوافر في سوق العمل حالياً، على رغم ثقتها بأهليته الكاملة للتطور. ولكن المشكلة في رأيها تكمن في عدم القناعة الحقيقية لدى أرباب العمل الخاص بأهمية تطوير موظفيه وتدريبهم لأنهم يعتبرون الموضوع خسارة مالية، بينما تكون عمليات تدريب الكادر البشري في القطاع الحكومي شكلية وغير مجدية على رغم كل ما يصرف عليها من مبالغ طائلة. وأضافت نائلة: "تتركز معظم كوادر العمل الشابة المؤهلة إلى حد ما، أو تلك التي أنهت دراستها خارج البلد في شركات الخلوي وشركات الاعلان، وتتجه أنظار الشباب الآن إلى العمل في المصارف الخاصة المنتظر افتتاحها بداية العام المقبل". كما عبرت نائلة عن استغرابها للطريقة التي تدار بها بعض الشركات والمكاتب الخاصة التي تقوم على "مبدأ الواسطة" بدلاً من مبدأ المنفعة الشخصية، والسبب يعود الى أن معظم القائمين على ادارة الشركات في القطاع الخاص هم "من خلفية حكومية، ما يؤدي الى سيطرة العقلية الادارية التي تحكم مؤسسات القطاع الحكومي على القطاع الخاص، إلى جانب قلة إدراك أصحاب العمل أو القائمين على إدارته الخسارة المالية المتراكمة التي يسببها توظيف أشخاص غير مؤهلين، كما أن بعضهم ليست لديه نظرة مستقبلية ويقبل بما يقدمه الموظفون في الوقت الذي يمكن استغلال قدراتهم في شكل أكبر".

أديب .ح (31 عاماً) مهندس الكترونيك عاد للعمل في سورية بعد قضائه سبع سنوات في الدراسة والعمل في الولايات المتحدة، قال: "يتصور الناس هنا أن العمل في القطاع الخاص مرهق مقارنة بالعمل الحكومي الذي قد لا تتجاوز ساعات العمل الفعلية فيه ساعة واحدة في اليوم!". وأضاف "في رأيي أن القطاعين الخاص والعام يشتركان في ضعف الانتاجية، فنحن وإن لم نجد موظفين في الشركات الخاصة يشربون الشاي والقهوة والمتة أثناء استقبالهم المراجعين كما يحدث في دوائر الدولة، الا أن تحكم رب العمل الخاص بعملية اتخاذ القرار واعتماد الارتجالية فيها، وتدخله في كل صغيرة وكبيرة وفي ما لا يحسن القيام به، الى جانب اختيار موظفين غير مؤهلين للقيام بالعمل... أمور تؤدي إلى إضعاف إنتاجية الموظفين وتحجيم دورهم في العمل، بل إضعاف قدرتهم على المبادرة والمنافسة".

المهندس نبيل سـالم (27عامـاً) يعمل في شركة كبرى للصناعات الغذائية، قال: "لا يتجـاوز عـدد الشركات الخاصة المنظمة عدد أصابع اليد، وعلى رغم ارتباط الموظفين فيها بعقود عمل نظامية يظل لديهم احساس بعدم الأمان، وبإمكان تسريحهم من وظيفتهم من دون سابق انذار. وإن كانت الواسطة والوضع الحزبي وغيرها تلعب دوراً كبيراً في الترقية الادارية والحصول على مهمات خارجية في القطاع العام، فإن التقرب من الادارة والعلاقات الشخصية تلعب الدور ذاته في مؤسسات القطاع الخاص".

وقالت زوجته ميني (24 عاماً) عن تجربتها: "عملت في الدولة لمدة عامين، ثم قررت الانتقال الى شركة خاصة من الشركات المعروفة وبمرتب يساوي ثلاثة أضعاف مرتبي في الدولة، وبعد عامين من العمل الجاد في الشركة كافأني مديري بتوظيف صديقته بمرتب يفوق مرتبي فقررت تقديم استقالتي، وصدمت به يعيدها الي، وقد وقعت عليها منذ يوم عملي الاول من دون أن اعرف، ويخبرني أنني غير مسجلة في الـتأمينات الاجتماعية".

رشيد.م (29 عاماً) مهندس في هيئة حكومية منذ 5 سنوات ويتقاضـى حالياً حوالى العشرة آلاف ليرة سورية شهرياً ( 200 دولار)، يجد نفسه وعدداً كبيراً من زملائه غير مؤهلين للعمل في وظائف خاصة كتلك المتاحة لفئة الشباب المتخرجين حديثاً في الجامعات، وذلك لعدم امتلاكهم القدرة على التعامل مع برامج الكومبيوتر، وضعف مستواهم في اللغة الانكليزية ولالتزامهم لفترة طويلة بالوظيفة الحكومية التي وصفها محمد "بأنها تدفع على الكسل والاتكالية وعدم تطوير الذات".

ويتابع محمد: "لا تلتزم معظم المكاتب والشركات الخاصة بالمراسيم الصادرة بخصوص زيادة الرواتب أو المكافآت، وبعد الزيادات الاخيرة في الرواتب تقلص الفارق بين رواتب القطاعين الخاص والعام"، ولتدبير أموره المالية يعمل محمد بعد انتهاء الدوام الرسمي سائقاً لسيارة اجرة، الى جانب ما يقوم به من تعقيب بعض المعاملات والرخص، وقد همست لي احدى زميلاته في العمل بأن مدخوله الشهري لا يقل عن 60 ألف ليرة سوريه أي (1200 دولار)، وأنه "لا ولن يفكر يوماً بترك وظيفته الحكومية".


كل الشكر للأخ أيمن هيكل