مشاهدة النسخة كاملة : نزار قباني وشعر الالتزام


m5rb
08-22-2003, 11:39 PM
من مفكرة عاشق دمشقي - 1971 -



فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا ؟

حبيبتي أنت فاستلقي كأغنية .. على ذراعي ولا تستوضحي السببا

أنت النساء جميعاً ما من امرأة أحببتها بعدك , إلا خلتها كذبا

يا شام إن جراحي لا ضفاف لها فامسحي عن جبيني الحزن والتعبا

أرجعيني إلى أسوار مدرستي وأرجعي الحبر و الطبشور والكتبا

تلك الزواريب كم كنز طمرت بها وكم تركت عليها ذكريات صبا

وكم رسمت على حيطانها صوراً وكم كسرت على أدراجها لعبا

أتيت من رحم الأحزان يا وطني أقبّل الأرض والأبواب والشهبا

حبّي هنا .. حبيباتي ولدن هنا فمن يعيد إليّ العمر الذي ذهبا

أنا قبيلة عشاق بكاملها .. ومن دموعي سقيت البحر والسحبا

فكل صفصافة حولتها امرأة وكل مئذنة رصعتها ذهبا

هذي البساتين كانت بين أمتعتي لما ارتحلت عن الفيحاء مغتربا

فلا قميص من القمصان ألبسه إلا وجدت على خيطانه عنبا

كم مبحر وهموم البرّ تسكنه وهارب من قضاء الحب ما هربا

يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زحموا بالمنكب الشهبا

فلا خيول بني حمدان راقصة زهواً ولا المتنبي .. مالها حلبا ؟!

و قبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا

ياربّ حيّ رخام القبر مسكنه ورُبَّ ميتٍ على أقدامه انتصبا

يا ابن الوليد ألا سيف نؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا

دمشق يا كنز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لك العربا ؟

أدمت سياط حزيران ظهورهم فأدمنوها وباسوا كفّ من ضربا

وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا ؟

سقوا فلسطين أحلاماً ملونة وأطعموها سخيف القول والخطبا

عاشوا على هامش الأحداث ماانتفضوا للأرض منهوبة والعرض مغتصبا

وخلفوا القدس فوق الوحل عارية تبيح عزة نهديها لمن رغبا

هل من فلسطين مكتوب يطمئنني عمن كتبت إليه وهو ما كتبا

وعن بساتين ليمون وعن حلم يزداد عني ابتعاداً كلما اقتربا

أيا فلسطين من يهديك زنبقة ومن يعيد إليك البيت الذي خربا

شردتِ فوق رصيف الدمع باحثة عن الحنان ولكن ما وجدتِ أبا

تلفّتي تجدينا في مباذلنا من يعبد الجنس أو يعبد الذهبا

فواحد أعمت النعمى بصيرته فللمنى والأغاني كل ما وهبا

وواحد ببحار النفط مغتسلٌ قد ضاق بالخيش ثوباً فارتدى القصبا

وواحد نرجسيّ في سريرته وواحد من دم الأحرار قد شربا

إن كان من ذبحوا التاريخ هم نسبي على العصور .. فإني أرفض النسبا

يا شام يا شام ما في جعبتي طربٌ أستغفر الشعر أن يستجدي الطربا

ماذا سأقرأ من شعري ومن أدبي حوافر الخيل عندنا داست الأدبا

و حاصرتنا و آذتنا .. فلا قلمٌ قال الحقيقة إلا اغتيل أو صُلبا

يا من يعاتب مذبوحاً على دمه و نزف شريانه .. ما أسهل العتبا

من جرّب الكيّ لا ينسى مواجعه ومن رأى السمّ لا يشقى كمن شربا

حبل الفجيعة ملتفٌّ على عنقي من ذا يعاتب مشنوقاً إذا اضطربا

الشعر ليس حماماتٍ نطيّرها نحو السماء ولا ناياً ولا ريح صبا

لكنه غضبٌ طالت أظافره ما أجبن الشعر إن لم يرتكب غضبا





==========================


ترصيعٌ بالذهب على سيفٍ دمشقي ...

أتراها تحبني ميسون ؟ .. أم توهّمتُ .. والنساءُ ظنونُ

يا بنة العمّ والهوى أمويٌّ كيف أخفي الهوى وكيف أُبينُ

كم قُتِلنا في عشقنا وبُعثنا بعد موتٍ وما علينا يمينُ

ما وقوفي على الديار وقلبي كجنبي قد طرّزتهُ الغضونُ

لا ظباءَ الحِمى رددنَ سلامي والخلاخيلُ مالهنَّ رنينُ

هل مرايا دمشق تعرف وجهي من جديدٍ أم غيّرتني السنونُ

يا زماناً في الصالحية سمحاً أين مني الفدى وأين الفتونُ

ياسريري ويا شراشف أمي يا عصافير يا شذا يا غصونُ

يا زواريب حارتي خبئيني بين جفنيكِ فالزمان ضنينُ

واعذريني إذا ما بدوتُ حزيناً إن وجه المحبّ وجهٌ حزينُ

هاهي الشامُ بعد فرقة دهرٍ أنهرٌ سبعةٌ وحورٌ عينُ

النوافير في البيوت كلامٌ والعناقيد سكّرٌ مطحونُ

والسماء الزرقاء دفتر شعرٍ والحروف التي عليه سنونو

هل دمشق كما يقولون كانت حين في الليل فكّر الياسمينُ

آهٍ ياشامُ كيف أشرحُ ما بي وأنا فيكِ دائماً مسكونُ

سامحيني إن لم أكاشفكِ بالعشق فأحلى ما في الهوى التضمينُ

نحن أسرى وفي قفص الحبّ يعاني السجّانُ والمسجونُ

يا دمشقُ التي تقمصتُ فيها هل أنا السرو أم أنا الشربينُ

أم أنا الفلّ في أباريقِ أمّي أم أنا العشبُ والسحابُ الهتونُ

أم أنا القطة الأثيرة في الدّار تلبّي إذا ما دعاها الحنينُ

يا دمشقُ التي تفشّى شذاها تحت جلدي كأنه الزيزفونُ

سامحيني إذا اضطربتُ فإني لا مقفّىً شعري ولا موزونُ

وازرعيني تحت الضفائر مشطاً فأريكِ الغرام كيف يكونُ

قادمٌ من مدائن الريح وحدي فاحتضني كالطفل ياقاسيونُ

احتضني ولا تناقشني جنوني ذروة العقل يا حبيبي الجنونُ

احتضني خمسين ألفاً وألفاً فمع الضمّ لا يجوزُ السكونُ

أهي مجنونةٌ بشوقي إليها هذهِ الشامُ أم أنا المجنونُ ؟

حاملٌ حبّها ثلاثين عاماً فوق ظهري وما هناك معينُ

كلمــــــا جئتها أردُّ ديوني للجميلاتِ حاصرتني الدّيونُ

إن تخلّتْ كلّ المقاديرِ عنّي فبعينيّ حبيبتي أستعينُ

يا إلهي جعلتَ عشقي بحراً أحرامٌ على البحارِ السكونُ ؟

يا إلهي هل الكتابةُ جرحٌ ليس يشفى أم ماردٌ ملعونُ

لم أعاني في الشعر موتاً جميلاً وتعاني من الرياح السفينُ

جاء تشرينُ يا حبيبة عمري أجملُ الوقت للهوى تشرينُ

ولنا موعدٌ على جبل الشيخ كم الثلجُ دافئٌ وحنونُ

لم أعانقكِ من زمانٍ طويلٍ لم أحدّثكِ والحديثُ شجونُ

لم أغازلكِ والتغزّل بعضٌ للهوى دينهُ وللسّيفِ دينُ

سنواتٌ سبعٌ من الحزن مرّت مات فيها الصفصافُ والزيتونُ

سنواتٌ فيها استقلتُ من الحبّ وجفّت على شفاهي اللحونُ

سنواتٌ سبعٌ بها اغتالنا اليأسُ وعلِمَ الكلامَ اليائسونُ

فانقسمنا قبائلاً وشعوباً واستُبيحَ الحمى وضاعَ العرينُ

كيفَ أهواكِ حين حول سريري يتمشّى اليهودُ والطاعونُ ؟

كيف أهواكِ والحمى مستباحٌ هل من السهل أن يحب السجينُ

لا تقولي نسيتُ .. لم أنسَ شيئاً كيف تنسى أهدابهنَّ الجفونُ

غير أن الهوى يصيرُ ذليلاً كلّما ذلّ للرجالِ جبينُ

شامُ يا شامُ يا أميرة حبّي كيف ينسى غرامهُ المجنونُ

أوقدي النار فالحديث طويلٌ وطويلٌ لمن نحبّ الحنينُ

شمس غرناطة أطلّت علينا بعد يأسٍ وزغردت ميسلونُ

جاء تشرينُ إنّ وجهكِ أحلى بكثيرٍ .. ما سرّهُ تشرينُ ؟

كيفَ صارت سنابلُ القمح أعلى كيف صارت عيناكِ بيت السنونو

إن أرض الجولان تشبه عينيكِ فماءٌ يجري ولوزٌ وتينُ

كلّ جرحٍ فيها حديقةُ وردٍ وربيعٌ ولؤلؤٌ مكنونُ

يا دمشقُ البسي دموعي سواراً وتمنّي فكلّ صعب يهونَ

وضعي طرحة العروس لأجلي إنّ مهر المناضلاتِ ً ثمينُ

رضي الله والرسول عن الشام فنصرٌ آتٍ وفتحٌ مبينُ

مزّقي يا دمشقُ خارطةَ الذلّ وقولي للدّهرِ كن فيكونُ

استردّت أيامها بكِ بدرٌ واستعادت شبابها حطّينُ

بكِ عزّت قريشٌ بعد هوانٍ وتلاقت قبائلٌ وبطونُ

إن عمروبن العاص يزحفُ للشرقِ وللغربِ يزحفُ المأمونُ

كتب الله أن تكوني دمشقاً بكِ يبدأ وينتهي التكوينُ

لا خيار أن يصبح البحر بحراً أو يختار صوته الحسّونُ

ذاك عمر السيوف لا سيف إلا لدائنٍ يا حبيبتي أو مدينُ

هُزمَ الرّوم بعد سبعٍ عجافٍ وتعافى وجداننا المطعونُ

وقتلنا العنقاء في جبل الشيخ وألقى أضراسه التنينُ

صدق السيفُ وعده يابلادي فالسياسات كلها أفيونُ

صدق السيف حاكماً وحكيماً وحده السيف يادمشق اليقينُ

اسحبي الذيل ياقنيطرة المجد وكحّل جفنيك يا حرمونُ

سبقت ظلّها خيول هشامٍ وأفاقت من نومها السكّينُ

علمينا فقه العروبة يا شآم فأنت البيان والتبيينُ

علمينا الأفعال .. قد ذبحتنا أحرف الجر والكلام العجينُ

علمينا قراءة البرق والرعد فنصف اللغات وحلٌ وطينُ

علمينا التفكير.. لا نصرَ يُرجى حينما الشعبُ كلّه سردينُ

إنّ أقصى ما يُغضب الله فكرٌ دجنوهُ وكاتبٌ عنّينُ

وطني يا قصيدة النار والورد تغنّت بما صنعتَ القرونُ

إن نهر التاريخ ينبع في الشام أيلغي التاريخَ طرحٌ هجينُ ؟

نحن عكا ونحن كرمل حيفا وجبال الجليل واللطرونُ

كل ليمونة ستنجب طفلاً ومحالٌ أن ينتهي الليمونُ

اركبي الشمس يا دمشق حصاناً ولكِ الله .. حافظٌ وأمينُ